كان من المحتمل دائماً أن تكون هناك عواقب وخيمة متفجرة للتدخل العسكري الفرنسي في مالي على أجزاء أخرى من المنطقة. ومع ذلك، كان مفاجئا أن تتمكن مجموعة منشقة من تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي من الرد بسرعة من خلال خطف رهائن في مصنع حقل الغاز في عين أميناس جنوب شرق الجزائر.
عملية نموذجية
وسرعة انتقام المتشددين أثار الشكوك حول ارتباط الحدثين، ومن المحتمل أن التحرك الفرنسي عجل بهجوم كان يجري التخطيط له على هذا الهدف. فالعملية كانت عملية نموذجية لتنظيم القاعدة هادفة إلى جذب أقصى الاهتمام الدولي من خلال عمل انتحاري يتصف بعنف شديد. ولقد أسرع القادة الأجانب بدعم التحرك الفرنسي والتعهد بملاحقة مختطفي الرهائن إلى أقاصي الأرض. وهذا هو نوع الرد الذي كان تنظيم القاعدة يعمد إلى إثارته، حيث يجري تقديم مجموعة صغيرة من المسلحين كتهديد لباقي العالم، فيتدفق المجندون والأموال.
وبهذه الطريقة أيضا يجري تدويل الخلافات المحلية بين الطوارق في شمال مالي والحكومة في العاصمة باماكو.
والتدخل العسكري الأجنبي يمكن أن يعيد النظام في البلاد، وقد يكون هناك ترحيب به من قبل السكان المحليين في المدى القصير، لكن وجود قوة عظمى يمكنه أن يزعزع الاستقرار. وكان هذا أحد الدروس الكثيرة للاحتلال الأميركي في العراق وأفغانستان. ففي كلتا الحالتين، سرعان ما تصرفت القوات الأجنبية كما يتصرف المستعمرون المحتلون، فأثارت مشاعر الاستياء.
فهل سيحدث هذا الأمر الآن في مالي؟ وكثير من الأدلة يشير إلى أن المقاتلين المتشددين من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وأنصار الدين والحركة من أجل التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا، هم مرهوبون ومكروهون في جنوب مالي، حيث يعيش معظم السكان البالغ عددهم 14.5 مليون نسمة، وهم ليسوا أكثر شعبية في الشمال.
ولقد كان بإمكان الأميركيين الإفلات من التدخل العسكري دون أية عواقب في العراق وأفغانستان لو خرجوا من البلدين بسرعة. والأمر نفسه يصح على الفرنسيين في مالي الآن. والخطر على هذه القوات يتمثل في بقائها لفترة طويلة جدا، وتورطها في الخصومات العرقية، وحفاظها على حكومة مالية فاسدة وتعاني من الاختلال في السلطة.
القلق الرئيسي
وتحوي مالي والجزائر وليبيا والنيجر وبوركينا فاسو جميعها أقليات مفقرة من الطوارق وفي حالة اضطراب. وتتظاهر حكومات تلك البلدان بأن قلقها الرئيسي يتمثل في التهديد الذي تمثله نزعة التشدد، لأن هذا يضغط على الأزرار المناسبة في واشنطن ولندن وباريس وموسكو، لكن التاريخ الحديث للمنطقة يظهر أن قلق تلك الحكومات الحقيقي يتمثل في النزعة الانفصالية للطوارق. وهذا التهديد يصبح اكثر جدية، لأن الطوارق على الرغم من فقرهم، إلا أنهم يعيشون في مناطق باحتياطات هائلة من النفط والغاز واليورانيوم والمعادن الثمينة.
والانتفاضة الوطنية للطوارق هي في صميم أزمة مالي وليست نزعة التشدد. فماذا يفعل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في شمال مالي، وهي الدولة التي لم يسبق لها أن كانت حصنا للتطرف؟ وهذا التنظيم هو في الأصل حركة جزائرية نتجت عن الحرب الأهلية في تسعينات القرن الماضي. وتأسست في عام 1998، وانتقل أعضاؤها إلى شمال مالي في عام 2003، حيث رأت الحكومة في التنظيم موازناً للانفصاليين من الطوارق. ومع كل الخطاب الفرنسي حول التهديد الذي يمثله تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي على أوروبا، فإن المجموعة لم تشن هجمات هناك على مدى اكثر من عقد من الزمن، وهي مهتمة أكثر بجمع الأموال من خلال خطف الرهائن وتهريب السجائر والمخدرات.
روابط قديمة
وروابط الجزائر بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي يلفها الغموض، لكن ليس ارتباط الحركة مع الحكومة المالية. والحقيقة الغريبة هي أن الحكومة المالية هي التي كانت تتسامح مع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي على امتداد السنوات العشر الماضية في شمال مالي، ولقد سمحت له بأن يعمل هناك، وأخذت حصة من أرباح عمليات الخطف وتهريب المخدرات التي كان يقوم بها.
ولقد تم تحويل المساعدات العسكرية الدولية من أجل محاربة القاعدة في مواجهة الطوارق. وتكتب الصحافية العاملة مع قناة الجزيرة، ماي ينغ ولش بعد زيارة أخيرة لها إلى هناك فتقول: "على مدى سنين، كان الطوارق الماليون يتذمرون من أن حكومتهم كانت شريكة مع تنظيم القاعدة، لكن صرخاتهم كانت تقع على آذان صماء".
وانتفاضة الطوارق الأخيرة في عام 2012 عجل بها سقوط الرئيس الليبي معمر القذافي في ليبيا، وهو الذي أبقى على الدوام نوعا من النظام في دول الساحل وحولها. وهزيمته كانت تعني أيضا أن المنطقة قد أصبحت تفيض بالأسلحة الحديثة، والطوارق من قواته الأمنية العائدون إلى موطنهم كانوا يجيدون استخدامها. وقد يحسب الفرنسيون أن بإمكانهم استخدام القوة الجوية لتدمير وحدات المتشددين. هذا الأمر تكلل بالنجاح بالنسبة لحلف شمالي الأطلسي "ناتو" في ليبيا، لكن ضد مقاتلي حرب عصابات في بلاد مقفرة تتمتع بمناخ قاس، فإن القوة الجوية قد لا تكون شديدة الفاعلية.
فهذه القوة تعمل بشكل أفضل ضد مواقع ثابتة أو عربات، لكن ضحايا الاختطاف في مالي يقولون إن المتشددين لديهم إمدادات على شكل وقود ومياه وطعام مخفية في أرجاء البلاد إلى جانب مخابئ في جوانب المنحدرات. وهذا سيكون عدوا من الصعب هزيمته.
التهديد الحقيقي
تحوي مالي والجزائر وليبيا والنيجر وبوركينا فاسو جميعها أقليات مفقرة من الطوارق وفي حالة اضطراب. وحكومات تلك البلدان تتظاهر بأن قلقها الرئيسي يتمثل في التهديد الذي تمثله نزعة التشدد، لأن هذا يضغط على الأزرار المناسبة في واشنطن ولندن وباريس وموسكو. لكن التاريخ الحديث للمنطقة يظهر أن قلقها الحقيقي يتمثل في النزعة الانفصالية للطوارق. وهذا التهديد يصبح اكثر جدية بالنسبة لهذه الحكومات، لأن الطوارق يعيشون في مناطق بها احتياطات هائلة من النفط والغاز واليورانيوم والمعادن الثمينة.
