كان يبدو أمرا مألوفا، في يناير 2003، أن تحمل الصحف على صدر صفحاتها عناوين مثل "الإمبراطورية الأميركية: اعتادوا الأمر". ففي أعقاب الحادي عشر من سبتمبر، كانت أميركا قد غزت أفغانستان، وتفصلها أسابيع عن غزو العراق في وسط "حرب عالمية على الإرهاب". ومنذ ذلك الحين، أصبح عدد كبير من الأميركيين معتادين، طبعا، هذه الإمبراطورية الأميركية.

ويعد الرئيس الأميركي باراك أوباما من بين أكثر الأميركيين إثارة لخيبة الأمل، وهو الذي حمل بشدة في أحد الأيام على اعتداءات الإمبراطورية الأكثر سوادا، من التعذيب إلى السجن المؤبد دون محاكمة. وعلى نقيض ذلك، فإن أوباما اليوم يدخل ولايته الثانية باعتباره وريث الاستراتيجية الإمبراطورية للرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن، ما لم تشر تعيينات سياسته الخارجية الأخيرة إلى تغيير هام.

خيبة الأمل

وفيما كان يمضي في تحقيق بعض من وعوده الرئيسية، مثل سحب القوات الأميركية من العراق، عمل أوباما بالتزامن مع ذلك، على تعميق التزاماته نحو الإمبراطورية في معظم الأحيان. وفي بعض الحالات، سعى لتحقيق وعوده مقترحاً إغلاق معتقل غوانتانامو وإطلاق خطة بمنح "المعتقلين" الإرهابيين محاكمات مدنية، ليتراجع عنها سريعا أمام هجمات خصومه السياسيين.

ولدى شغله منصبه، تجاهل أوباما التحذيرات من وقوع أميركا في شرك المستنقع الأفغاني. ومدفوعا من قبل مستشاريه المختارين، ضاعف أعداد القوات الأميركية في أفغانستان ثلاث مرات.

وبحلول عام 2011، كانت أميركا تنفق 110 مليارات دولار على العمليات العسكرية. وحتى عندما أعلن الرئيس عن تسريع طفيف في خطة الانسحاب المخطط لها في عام 2014، لم يتضح التأثير طويل الأمد لخطة أوباما القاضية "بزيادة عدد القوات" في أفغانستان.

وفي مناطق أخرى، اصبح أوباما بسرعة المحارب الأول في العالم بالطائرات الموجهة عن بعد، موظفا المزيد من تلك الطائرات من طراز "برديتور" في الشهور التسعة ونصف الأولى من وجوده في منصبه مما فعل بوش خلال السنوات الثلاث السابقة. وكانت النتائج ملتبسة.

فقد تمكن من التخلص من عدد كبير من قادة القاعدة، لكن هذه الهجمات في الوقت نفسه غذت الانتساب إلى المتشددين. ففي اليمن، كان لدى تنظيم القاعدة ما يصل إلى 300 عضو عندما بدأت حملة الطائرات الموجهة عن بعد لأوباما، ولقد أصبح لديه الآن ألف عضو.

وعندما سأل القاضي في قضية مفجر "تايم سكوير" الباكستاني الأصل، فيصل شهزاد، كيف بإمكانه استهداف النساء والأطفال الأبرياء، رد فيصل بقوله إن ضربات الطائرات الموجهة عن بعد الأميركية "تقتل النساء والأطفال، وتقتل الجميع". بالنسبة لشهزاد، تلك الضحايا كانت من البشر، أما بالنسبة لمشغلي الطائرات الموجهة عن بعد، فإنهم يشيرون إلى الضحايا على أنهم "بقع حشرات".

حق القتل

ولقد ادعى أوباما الحق في القتل، من دون أي مراجعة قضائية ضد كل من يراه تهديدا لمصالح أميركا، جاعلاً من نفسه القاضي وهيئة المحكمة المحلفة والجلاد، ومتجاوزا بشكل كبير سياسة بوش المتعلقة بالمراقبة من دون مراجعة قضائية.

وهو شخصيا اختار الأشخاص المستهدفين ووضعهم على "لائحة القتل". وقبل الحادي عشر من سبتمبر، أدانت أميركا الاغتيالات المستهدفة، أما الآن، فهذه أصبحت مبادرة السياسة الخارجية الموقع عليها من قبل أوباما، وكثير من الدول الأخرى تستعد لمحاكاتها.

وجهود أوباما لتوسيع الدور الإمبراطوري لأميركا طغى عليها، في كثير من الأحيان، مطالبات الجمهوريين بالمضي إلى أبعد من ذلك. وكان أوباما في سياسته الخارجية متساهلاً مع إسرائيل، فيما جموح حكومتها وعملية توسيع المستوطنات يعملان على تقويض آفاق حل الدولتين.

وفي آسيا، تقوم أميركا بالانتقال إلى دور أكثر صدامية، يطلق عليه اسم "التمحور" كانت قد وضعت خطوطه العريضة مقالة لوزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، في مجلة "فورين بوليسي" عام 2011، تحت عنوان "القرن الباسيفيكي لأميركا".

ولقد مضت أميركا قدماً بخطواتها الهادفة إلى محاصرة الصين واحتوائها، في تذكير مقلق بجهود الحرب الباردة لأميركا في احتواء الاتحاد السوفييتي. وبدلاً من إشراك الصين بطريقة بناءة ، فإن أميركا كانت تعمل على عسكرة المنطقة من خلال مبيعات الأسلحة، والعمليات البحرية المشتركة، والتحالفات العسكرية المعززة، ونشر القوات في أستراليا، وزيادة التواجد البحري.

وحتى خطاب أوباما كان مثيرا للقلق. وعلى الرغم من أنه لم يصل إلى الحدود التي وصل إليها بوش في الإعلان عن حملة لإزالة "الشر" في العالم، إلا انه ردد كلام الرئيس الأميركي الأسبق وودرو ويلسون في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى في وصفه "أميركا بأنها منقذة العالم".

وكان يجدر به ربما تذكر كلمات آلان غرينسبان، رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي السابق الذي خدم طويلاً في منصبه، والذي كتب يقول: "الجميع يدرك أن حرب العراق هي بشكل واسع حول النفط".

وهناك مع ذلك، مؤشرات محدودة تدعو للتفاؤل بأن نهج أوباما يتغير. فترشيحه تشاك هاغل وزيراً للدفاع، المعروف بانتقاداته لجماعة الضغط الإسرائيلية، ومعارضته السابقة لزيادة القوات في العراق واستنكاره للأسلحة النووية، وجون كيري وزيرا للخارجية، يمثل انقطاعا مهما مع الصقور الذي استوطنوا الإدارة الأولى لولاية أوباما.

وسيساعد عكس المسار وتنبي المثاليات التقدمية في إعادة الثقة لدى مؤيديه الأكثر حماسا، الذي رأوا في عملية انتخابه الأولى لحظة تحول.