التحدي الأساسي الذي يواجه الرئيس الأميركي باراك أوباما الآن يكمن في كيفية استعادة بعض مما فقده في السنوات الأخيرة فيما يتعلق بتشكيل سياسة الأمن القومي للولايات المتحدة. وتاريخياً، وعلى الصعيد السياسي، يوجد لدى الرئيس، في نظام فصل السلطات الأميركي، مجال المناورة الأكبر للقيام بتحرك حاسم في الشؤون الخارجية.
وتنظر أميركا إليه على أنه مسؤول عن أمن الأميركيين في عالم يزداد اضطراباً، والمحدد النهائي للأهداف التي ينبغي أن تسعى أميركا وراءها من خلال دبلوماسيتها، ونفوذها الاقتصادي، وإذا احتاج الأمر إكراهها العسكري. أما العالم، فيراه الصوت الأصيل لأميركا، إن كان هذا للأفضل أو للأسوأ.
وبالتأكيد، فإن للكونغرس صوتاً، وللشعب كذلك، وأصحاب المصالح والحقوق المكتسبة إلى جانب جماعات الضغط في السياسات الخارجية.
ودور الكونغرس في إعلان الحرب مهم بشكل خاص، ليس عندما تكون أميركا ضحية لهجوم، بل عندما تكون بصدد التخطيط لشن حرب.
الموقف الحازم
ولأن أميركا دولة ديمقراطية، فإن الدعم الشعبي لقرارات الرئيس في السياسة الخارجية يعد عنصراً أساسياً. لكن لا أحد في الحكومة أو في الخارج بإمكانه أن يكون له الصوت الجازم للرئيس عندما يتحدث ويتصرف على نحو حاسم.
وهذا يصح حتى في وجه معارضة عاقدة العزم على المواجهة، وحتى عندما تنجح بعض جماعات الضغط في كسب دعم الكونغرس لعملائهم الأجانب الخاصين في تحد للرئيس. على سبيل المثال، كثير من أعضاء الكونغرس الموقعين على الرسائل الموجهة للبيت الأبيض ينقلون بهدوء إلى الرئيس استعدادهم لدعمه إذا ما وقف بحزم إلى جانب "المصلحة الوطنية".
ورئيس على استعداد للقيام بذلك في العلن، والعمل بالتزامن على زرع أصدقاء وحلفاء له بمهارة في كابيتول هيل، يمكنه تشكيل مصداقية مرعبة، بحيث يصبح من غير الحكيم سياسياً الوقوف في وجهه. هذا بالتحديد ما ينبغي أن يقوم به أوباما الآن.
ويحتاج أوباما إلى التفكير بعناية في جدول أعماله خلال ولايته الثانية. وما هو الإرث الذي يرغب في تركه وراءه؟ وهنا فإن ما يجب ألا يقوم به يعد بأهمية ما ينبغي أن يقوم به. فرئيس يطمح للاعتراف به كزعيم دولي يجب ألا يشرف على هدف خاص بالسياسة الخارجية، يلزم نفسه بتحقيقه بالبلاغة، ومن ثم يتخلى عنه عندما يواجه معارضة قوية.
وبيت القصيد أنه بمعزل عما إذا كان أوباما يتعامل مع الرئيس الروسي المخاصم فلاديمير بوتين، أو القيادة الواثقة من نفسها بشكل متزايد في الصين الصاعدة بشكل دراماتيكي، أو مع ما يطلق عليها "عملية السلام" الإسرائيلية - الفلسطينية، فإن نجاحه سيعتمد على المدى الذي يراه الناس فيه ملتزماً حقاً وجدياً بصورة كلية.
الالتزام والمصداقية
فالالتزام والمصداقية يسيران جنباً إلى جنب. على سبيل المثال، على صعيد القضية الفلسطينية - الإسرائيلية، فإن الواقع المؤسف يشير إلى أن السياسة الأميركية في ظل آخر ثلاثة رؤساء لأميركا، كانت إما مخلصة لكنها جبانة، أو ساخرة متشائمة.
والتصويت الأخير للأمم المتحدة بمنح فلسطين مكانة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة، مع حصول أميركا، على الرغم من جهودها المكثفة، على دعم ثماني دول فقط من أصل ما مجموعه 188 دولة صوتت أو امتنعت عن التصويت، يشير إلى هذا النوع من الدرك الذي وصلت إليه، ويظهر التراجع الدراماتيكي في الاحترام الدولي لقدرة أميركا على التعامل مع قضية مقلقة أخلاقياً اليوم ومتفجرة على المدى الطويل.
كما يظهر بشكل دراماتيكي عواقب تدهور تعاون الحزبين في الشؤون الخارجية على أميركا والتأثير المتزايد لجماعات الضغط، مما يشدد على الحاجة لقيادة رئاسية حازمة.
ولدى الرئيس لحظتان من الفرص العظيمة. الأولى تحدث خلال سنته الأولى، لأنه مع حلول السنة الرابعة، أي نجاح تم تحقيقه يلغي التكاليف السياسية المدفوعة سابقاً. وإذا أعيد انتخابه، فإن الفرصة الثانية تبرز في السنة الأولى من ولايته الثانية، لكن هذه المرة ومن تلك اللحظة فصاعداً سيطلق التاريخ حكمه النهائي عليه، وليس الشعب.
لقد أظهر أوباما إدراكاً فكرياً ثاقباً أصيلاً للتحديات الجديدة التي تواجه أميركا على المسرح الدولي، لكنه يحتاج إلى أن يكون قائداً الآن. وقد لا تسنح له فرصة أفضل لتشكيل ما سيكتبه المؤرخون حول إرثه في المستقبل.
