السجال المتصاعد حول مستويات القوات العاملة العسكرية الأميركية في أفغانستان في المستقبل هو سجال خطير بقدر ما هو طائش. ومجموع القوات الأميركية المتبقية في أفغانستان يشكل معياراً لا معنى له. فالقضية لا تتعلق على الإطلاق بما إذا كان هناك 6 آلاف أو 30 ألف جندي أميركي في أفغانستان، بل تتعلق بالغرض من نشرهم، والأدوار والمهام التي سيؤدونها، والدور القتالي الذي سيخوضونه إذا كان هناك دور من هذا القبيل، ومدى حسن تمويلهم وتجهيزهم، وكيف تدعم جهودهم الاستراتيجية والخطة والجهود الشاملة في تحقيق نتيجة استراتيجية واقعية.

مقياس لا قيمة له

وفي ظل التمرد، وفي إطار السعي لوضع برنامج خاص ببناء الأمم بالسلاح في دولة فاشلة، فإن القوة العاملة العسكرية تعد مقياساً اقل أهمية من المعتاد. والقضية تتعلق بالحجم المستقبلي للجهد المدني-العسكري، وليس الجهد العسكري وحده.

وإجمالي عدد الطواقم العسكرية والمدنية لا يصف أو يبرر وظيفة تلك القوة، بل يحتاج الأمر أيضا إلى ربط هذا العدد بقاعدة بيانات تظهر موقع نشر هذه القوة ومستوى الأمن المستقبلي بالنسبة لها. وهناك تقارير إعلامية غير مؤكدة تفيد بأن أميركا تخطط الآن لتقليص عدد المرافق التي تحتلها في أفغانستان إلى خمسة مرافق رئيسية بنهاية عام 2014، ولا أحد يتكلم عن النتيجة النهائية فيما يتعلق بالوضع الأمني للطواقم الأميركية في المستقبل أو حول قدرتها على أداء مهام ذات هدف من دون أن تكون معرضة للخطر في الميدان.

إضافة إلى ذلك، سيجري التقليص فيما يكون حلفاؤنا قد انسحبوا بالكامل من البلاد، ومع انتخابات أفغانية في عام 2014 سينتج عنها رئيس غير معروف سيترأس حكومة فاشلة إلى حد بعيد.

وما يهم فعلا، مع ذلك، هو عدم وجود خطط علنية أميركية تظهر كيف ستتعامل إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما مع المزايا المدنية أو العسكرية لهذا الانتقال من الآن وحتى نهاية عام 2014، أو في السنوات التالية.

والمقاييس المحدودة التي أعلن عنها كل من قوات المساعدة الدولية لإرساء الأمن في أفغانستان "إيساف" والحكومة الأميركية تغطي فقط الأداء القتالي السابق، وتظهر أنه لم يجر تقدم عسكري هادف منذ نهاية عام 2010.

ووزارة الخارجية الأميركية والوكالة الأميركية للمساعدات الدولية لم تصدرا تقارير تحظى بمصداقية حول التقدم في خطط زيادة الطواقم المدنية، أو تأثيرها، أو عن أي ميزة تخص برنامج المساعدات المدنية.

تساؤل مطروح

وفي هذا المنعطف الزمني، يجعل هذا النقص في الخطط والتقارير العلنية الشفافة من المستحيل تحديد ما إذا كانت هناك خطط انتقال فعلية أم استراتيجية خروج مقنعة. والواضح هو أن أميركا على الأرجح ستنفق على الأقل 150 مليار دولار أخرى على الحرب بنهاية عام 2014، وستلحق بها إصابات إضافية قد تصل إلى ألف قتيل.

وعلى سبيل الإنصاف، فإن توصيات الجيش الأميركي للرئيس أوباما تجاوزت بالتأكيد السجال العام حول التسريبات بشأن خيارات إجمالي القوة العاملة العسكرية. إضافة إلى ذلك، فإن وظيفة الجيش الأميركي هي التزويد بالنصائح العسكرية، وليس بالخطة الشاملة التي تتضمن الجوانب المدنية والعسكرية للحرب.

باختصار، لا يتعين على أميركا اتخاذ أي قرارات فيما يتعلق بمستقبل الحرب، من دون جهود شاملة من قبل إدارة أوباما للتعامل بالكامل مع القضايا التي تشكل الحرب بالفعل، كذلك من دون قيادة واضحة من الرئاسة، وخطط انتقال علنية شفافة تسمح للكونغرس وللبلاد بمناقشة الطريق المستقبلي والتوصل إلى شكل من الإجماع الحقيقي. وهذه الحاجة تصبح واضحة عند فحص القضايا الأخرى التي ينبغي التعامل معها لتشكيل التزاماتنا المستقبلية.

أسباب البقاء

أولاً، أكثر من عقد من الدعوات لحكومة فعالة تركت أفغانستان تحت قيادة فاسدة وغير كفوءة. وولاية الرئيس الأفغاني حامد قرضاي تنتهي في عام 2014، وسيجري انتخاب رئيس جديد سيترأس مجلسا تشريعيا أفغانيا فاسداً ومنقسماً على نفسه بسلطات ضعيفة جدا، وبنية سياسية يفتقر ممثلوها إلى الشرعية الشعبية الحقيقية.

والقضية لا تتعلق بما إذا كانت انتخابات 2014 ستكون أكثر صدقاً من التي سبقتها، لكن ما إذا سيكون هناك قائد بإمكانه أن يعمل على نجاح أفغانستان فيما تتقلص أعداد معظم طواقم المساعدات العسكرية والمدنية الخارجية، وإلا فإنه لن يكون هناك من داع للبقاء.

ثانيا، يبدو أن هناك خيارين لمستقبل الحرب. جهد غير مؤكد لتسوية مع حركة طالبان ترفضه "الامارة" حتى الآن بشكل حازم وصارم، مطالبة بمغادرة كل الجنود الأجانب كشرط مسبق لأي تسوية، أو التزام أميركي مفتوح بدعم الحكومة الأفغانية، بالإضافة إلى مزيد من القوى الأفغانية، التي تفيد تقارير وزارة الدفاع الأخيرة، أنه لن يكون هناك أي جيش مستعد فعلا لتولي المسؤولية الفعلية للأمن الأفغاني إلى ما بعد عام 2016، وأن الشرطة على الأرجح لن تنجح في أي فترة في المستقبل.

ثالثا، قد نصبح بمفردنا في أفغانستان بشكل واسع بعد نهاية 2014. فمعظم البلاد مضمونة حاليا بقوات التحالف، وإذا أرادت أميركا أن تبقي المستويات الضرورية للقوة العسكرية والمدنية في البلاد، فإنها ستحتاج إلى القيام بذلك بطرق تخاطب بأمانة غياب الدعم الشعبي الكامل للحرب في كل بلد رئيسي ضمن التحالف.

رابعا، لدينا أولويات استراتيجية ومالية كثيرة. وليس لدينا سبب للبقاء في أفغانستان إلا إذا كانت هناك أسباب تحظى بالمصداقية، وتفيد بأن تحقيق ذلك بعد عام 2014 يمثل الاستخدام الأمثل لمواردنا، وأنه سيؤدي إلى نتيجة دائمة.

وفي هذه الأثناء، تطرح كل تلك المشكلات والقضايا سلبيات أكثر مما تطرح من إيجابيات. ومن الممكن أن تقدم خطط وتحاليل ذات مصداقية، وتركيز على القضايا الفعلية بدلا من المقياس فاقد المعنى لإجمالي عدد القوى العاملة المتبقية، أسباب لصالح البقاء، لكن هذا سيتطلب إدراكا من الرئيس الأميركي أنه لا احد يتبع حيث لا أحد يقود.