على الرغم من فجائية التدخل العسكري الفرنسي في مالي، إلا أن قرار الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، إرسال قوات إلى دولة إفريقية مضطربة، استقبل استقبالاً جيداً من مجمل الطيف السياسي الفرنسي.
وحتى هذه اللحظة، هناك سياسيون فرنسيون من مختلف أحزاب البلاد تقريباً يؤيدون هذه الحملة التي تكللت بالنجاح في وقت مبكر، من خلال وقف تقدم الثوار المرتبطين بتنظيم القاعدة في مالي نحو الجنوب، بعد سيطرتهم على شمالي البلاد في النصف الأول من السنة الماضية.
لكن بتفويضه هجوماً عسكرياً في مالي، فإن هولاند أخذ على عاتقه أيضاً مخاطر سياسية على المدى الطويل، في حال تورط فرنسا في صراع تزداد حدته.
يقول زميل السياسات في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في بريطانيا، سوسي دنيسون: «على مستوى السياسة الداخلية، كان قرار التدخل خطوة إيجابية بالنسبة لهولاند، فلقد حصل على تأييد بالإجماع من مجمل الطيف السياسي».
لكن مع تطور الصراع وزيادة تعقيداته، قد تبرز المزيد من الأسئلة إلى الوجود، حيث يضيف: «المجال الذي يبدو فيه هولاند عرضة لبعض الانتقاد في هذه المرحلة، هو أن قراره كان مفاجئاً، إذا ما أخذ في الاعتبار أشهراً من التخطيط لنوع آخر من التدخل في مالي بقيادة إفريقية».
ولقد فوض مجلس الأمن تكتلاً من 15 دولة من دول غرب إفريقيا تدعى «إكواس»، لقيادة حملة عسكرية في مالي، لكن هذا التكتل لم يتمكن من الرد بسرعة على تقدم الثوار، أخيراً. وفي غضون 12 ساعة، أصبحت هناك للقوات الفرنسية حملة عسكرية لصد تقدم المسلحين نحو العاصمة باماكو، واحتمال الاستيلاء عليها. وقال هولاند إن بلاده ستبقى في المعركة «طالما كان ذلك ضرورياً»، لكنه أشار إلى أن هدفه يتمثل في دعم الشركاء الإقليميين.
التأييد الداخلي
وأخيراً، أظهر استطلاع للرأي، أجراه المعهد الفرنسي للرأي العام، أن 63 % من الذين تم استطلاع رأيهم يؤيدون التدخل الفرنسي في مالي، فيما تعارضه نسبة 37 %. وبالمقارنة، أيد 55 % من الذي أدلوا برأيهم في أكتوبر 2001 مشاركة فرنسا في التدخل في أفغانستان بقيادة أميركا.
يقول نائب مدير مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية في فرنسا، جان فرنسوا داغوزان، إن الشعب الفرنسي يدعم التدخل، لأنه يرى الأمر على أنه حملة هادفة لمساعدة الشعب المالي، وللتخلص في الوقت نفسه من المسلحين الإسلاميين العنيفين.
والمعارضة من أوساط الجناح اليميني المتمثلة بحزب «الاتحاد من أجل جمهورية حرة شعبية»، أوضح أنه يؤيد التدخل. فكتب قائد الحزب جين فرنسوا كوبيه على موقع تويتر: «أقدم دعمي للقرار الذي اتخذه فرنسوا هولاند، القاضي بإرسال قوات فرنسية إلى مالي».
ومن جهتها، أشادت صحيفة «لوموند» الفرنسية بقرار هولاند إرسال قوات إلى مالي، في افتتاحيتها على الصفحة الأولى أخيراً، لكنها حذرت من احتمال الوقوع في مستنقع، إذا ما استمر التدخل لفترة طويلة.
وداغوزان يقول إن دعم الشعب الذي يستفيد منه هولاند حالياً، يمكن أن ينحسر إذا ما تكبد الجيش الفرنسي خسائر فادحة، أو في حال رد المسلحون المتشددون بهجمات إرهابية على التراب الفرنسي. وهذا السيناريو ليس بعيداً عن الخيال.
مطبات خطرة
يقول ريتشارد غوان المدير المساعد في مركز التعاون الدولي التابع لجامعة نيويورك: «المجموعات المتشددة الموجودة في المغرب خططت لهجمات ضد فرنسا في السابق، وهنا خطر من حدوث هجوم إرهابي كرد على التدخل، الآن أو في أي وقت في المستقبل».
وكانت القوات الفرنسية قد واجهت مقاومة عنيفة، مع توغل الثوار في الجنوب أخيراً. ووزير الدفاع الفرنسي جان إيف لو دريان، قال إن المسلحين استولوا على قرية ديابالي في وسط مالي: «بعد قتال ومقاومة شرسين من قبل الجيش المالي، الذين لم يتمكن من صدهم».
وعلى الرغم من المقاومة، فإن الحملة الفرنسية ستشهد على الأرجح انتصارات أولية سريعة. يقول غوان: «لكن لن تواجه قوات الثوار صعوبة في إعادة التجمع وزعزعة الاستقرار مجدداً. وليس واضحاً ما إذا كان بإمكان فرنسا تفادي انتشار عسكري طويل الأمد في مالي، حتى لو كانت تأمل بإمكانية نشر جنود أفارقه للحفاظ على النظام».
وهذا الأمر يصح، بصفة خاصة، في حال كانت للثوار القدرة على الرد، وكان متحدث رسمي باسم إحدى فصائل الثوار، قد قال إن فرنسا ستدفع ثمن أفعالها: «لقد فتحت فرنسا أبواب جهنم على كل الفرنسيين. ولقد وقعت في فخ هو أكثر خطورة من العراق وأفغانستان والصومال».
ومن غير المتوقع أن تتخذ دولة أخرى هذا الموقف الجريء الذي اتخذته فرنسا. قالت أميركا إنها ستتبادل المعلومات الاستخبارية، فيما وعدت بريطانيا بتقديم الدعم، على الرغم من ذكرها عدم انضمام جنود بريطانيين إلى القتال.
من جهة أخرى، بدأ سياسيون بارزون من أوساط اليمين واليسار في طرح تساؤلات علنية بشأن شرعية التدخل العسكري. والقيادي من أقصى اليسار، والمرشح السابق للرئاسة الفرنسية جان لوك ميليشون، وصف قرار هولاند «محل نزاع» على إذاعة «فرانس إنفو» أخيراً، وأشار إلى أنه كان يعتقد بوجوب قيام الدول الإفريقية، لا سيما الجزائر، بمعالجة مشكلات مالي بدلاً من فرنسا.
ورئيس الوزراء الأسبق اليميني دومينيك دو فيلبان، انتقد بشدة أيضاً، التدخل الفرنسي في عمود صحافي أخيراً، حيث أفاد أن فرنسا على الأرجح سيكون عليها قتال المسلحين بمفردها، في ظل غياب جيش مالي قادر على العمل إلى جانبها. ويقول: «لقد آن الأوان لإنهاء عقد من الحروب الخاسرة»، مشيراً إلى أفغانستان والعراق وليبيا.
أما أستاذ علم السياسات الدولية المقارنة في الجامعة الأميركية في باريس هال غاردنر، فيقول إن التدخل في مالي هو غير متسق مع رفض هولاند قيام الجنود الفرنسيين بحماية رئيس جمهورية إفريقيا الوسطى فرنسوا بوزيزي من هجوم شنه ضده الثوار. ويضيف: لقد ناقض هولاند نفسه بالكامل.. قال إنه سيخرج فرنسا من السياسات الإفريقية، وتحديداً من صيغ التدخل العسكري، وفعل العكس تماماً».
