التقى المفاوضون الأميركيون والروس بالمبعوث الأممي إلى سوريا الأخضر الإبراهيمي أخيراً، لمناقشة خطته المتعلقة بالسلام في سوريا، غير أن خطاب الرئيس السوري بشار الأسد الذي ألقاه أخيراً، من المحتمل أن يكون قد وضع حداً لمبادرة الإبراهيمي، على الأقل في شكلها الحالي.

وما شكل نبذاً للخطة من قبل الرئيس السوري أوجد نوعاً من الانفراج لدى بعض جماعات المعارضة، التي كانت تخشى من أن يكون المجتمع الدولي يجري صفقات على حسابها.

فرص النجاح

ومن المهم إدراك سبب ذلك، إذا ما أريد لخطة مستقبلية يجري التفاوض عليها للخروج من الأزمة فرصة في النجاح. أولاً، لا يذكر الإبراهيمي في خطته أي شيء بخصوص الوضع المستقبلي للرئاسة أو الأجهزة الأمنية في المستقبل، وهما الركيزتان الفعليتان فقط للسلطة في سوريا.

والحكومة السورية نفسها ليست أكثر من جمعية تكنوقراط وموظفي خدمة مدنية من دون قاعدة للقوة، أو سلطة يمكن التحدث عنها. وطالما لم يذكر أي دور مستقبلي للأجهزة الأمنية، وتحديداً لهيكلية قيادتها، فإن أي حكومة مؤقتة ستكون من دون أسنان، وسترفض المعارضة الخطة. ولو ذكرت الخطة، على سبيل المثال، حل الأجهزة الأمنية، وعهدت لقوات حفظ سلام دولية بمسؤولية القضايا الأمنية، أو أعلنت عن توحيد تلك الأجهزة تحت قيادة واحدة تقدم تقاريرها إلى وزارة الداخلية في ظل حكومة جديدة، لكنا رأينا رد فعل مختلفاً من المعارضة.

ثانياً، يعالج الإبراهيمي الأزمة كما لو أنها في الأساس صراع بين طرفين لديهما أجندات متنافسة وقادة متنافسون، ومن هنا يأتي، تعريفه للصراع على أنه حرب أهلية طائفية وخطته المتعلقة باتفاق لتقاسم السلطة. وهناك بعض الجوانب في الصراع السوري يأخذ طابع حرب أهلية، لكن هذا التعريف لا يغطي جميع جوانب الصراع بالتأكيد.

وثوار سوريا لا يزعمون أن لديهم أيديولوجية أو أجندات محددة، وهذا الأمر كان سبباً في توجيه أصابع اللوم إليهم في الغرب. وليس لديهم قادة يمكن التحدث عنهم، والأمر الأكثر أهمية أنهم لا يصفون كفاحهم بأنه نضال من أجل السلطة، وإنما من أجل تغيير في الطريقة التي تجري بها ممارسة السلطة.

ومن الواضح أن العديد من السياسيين في أوساط المعارضة يقومون بما يقوم به السياسيون حول العالم، وهم يقضون وقتاً أكبر في المناورة، من تمثيل مصالح ناخبيهم، وكثير غيرهم لديه أجندات واضحة أو أقل وضوحاً، أو أجندات تعود لرعاتهم الأجانب.

مصدر الشرعية الوحيد

وبيت القصيد هو أن مصدر الشرعية السياسية الوحيد للمعارضة يتمثل في قبول خلاصة الثورة، والتي هي كفاح من أجل الكرامة والعدالة، ومن أجل حكم أفضل، ونظام سياسي أكثر حرية، ومن أجل محاسبة المسؤولين الحكوميين وفرض حكم القانون.

وهذا يفسر، على سبيل المثال، واقع الرفض السريع لدعوة المجموعات المقاتلة الإسلامية في حلب من أجل إقامة دولة إسلامية، من قبل الناشطين وشرائح واسعة من المجتمع، ما أجبر هذه المجموعات على التراجع. ورسالة الناشطين كانت في الأساس: «أنتم هنا لحمايتنا، وليس لتملوا علينا النظام السياسي الذي سيحكمنا».

ويمكن القول إن هذا النهج «الدبلوماسي» الخالص، والذي يعتبر أن للطرفين مصالح متنافسة وشرعية على قدم المساواة، وينظر إلى أي وقف للقتال أو صفقة تقاسم للسلطة بمثابة نجاح، هو نهج يجب أن يعتبر معيباً. فالمعارضة أقرت إلى حد بعيد أخيراً، بالحاجة إلى تسوية يجري التفاوض بشأنها، لكنها تعي أن التفاوض يهدف إلى إحراز انتقال منظم وتدريجي وسلمي لنظام سياسي جديد، وليس إلى تقاسم لأصول الدولة بين طرفين متحاربين أو منح شرعية سياسية للنظام.

مفهوم العدالة

ثالثاً، هناك غياب تام لمفهوم العدالة في خطة الإبراهيمي وتصريحاته. والعدالة كما يعتقد أنها ستكون مهمة تحديداً في حالة سوريا التي شهدت مقتل أكثر من 60 ألفاً من مواطنيها. لكن الحاجة إلى العدالة أمر سياسي بقدر ما هو أخلاقي.

وعندما ينتهي الصراع، وتتصدر قضية نزع سلاح المقاتلين واجهة الأحداث، ستحتاج المعارضة السياسية الرسمية إلى إظهار أن أحد الأهداف الأساسية للثورة، أي العدالة، قد تم تحقيقها، وإن لم يكن بالنظافة التي كان مرغوباً بها. وهذا سيكون نقاشاً مهماً إن لم يكن كافياً لتحفيز نزع سلاح المقاتلين. وسيكون من الحماقة وقصر النظر السياسي توقع تخلي المعارضة السورية عن سلاحها بعد كل الخسائر التي تكبدتها من دون الحد الأدنى من تطبيق العدالة.

وهذا النقص المتصور في العدالة في المرحلة المقبلة في سوريا، أكثر من أي شيء آخر، يحمل في طياته خطر تدهور البلاد المحتمل إلى «صومال» جديدة. وحالياً، فإن فرص التوصل إلى تسوية للأزمة السورية يجري التفاوض بشأنها تزداد قتامة بشكل مطرد، لكن إذا أراد المجتمع الدولي فعلاً إعطاء المفاوضات فرصة للنجاح، فإنه لا يستطيع أن يغلق عينيه على الجوانب الأساسية في الصراع السوري.

 

 

سبب إضافي

 

 

 

تحول الصراع الأهلي في سوريا إلى صراع عرقي ومن ثم إلى حرب أهلية، وهذا الأمر أدى إلى زيادة قلق المجتمع الدولي. وتقوم أميركا حالياً بتعزيز وجودها العسكري في المنطقة، بالتزامن مع تزويد الثوار بالتدريب والدعم اللوجستي، فيما تحذر روسيا بقوة ضد التدخل الغربي. وهذا كان مشهد الأحداث التي أدت إلى التدخل العسكري الأميركي في كوسوفو في مارس عام 1999.

وفيما يزين الرئيس الأميركي باراك أوباما خيارات التدخل في سوريا، فإنه يجب أن يأخذ في الاعتبار هذا التشابه. وبقيامه بذلك، سيجد سبباً إضافياً لتكثيف الدعم الأميركي للمعارضة السورية، وهو محاربة التطرف. وكوسوفو لم تتحول إلى قاعدة للتطرف، بل اتجهت في الاتجاه المعاكس.