لن يكون للرئيس السوري بشار الأسد موقع في أي حكومة انتقالية تلي مرحلة الحرب الأهلية في سوريا، حسبما جاء على لسان المبعوث الأممي إلى سوريا الأخضر الإبراهيمي، أخيرا، لكن من جهة أخرى، في حال لم تجر مفاوضات، فإن أمام الرئيس السوري فرصة كبيرة في أن يستمر محتفظاً بمقاليد السلطة بعد سنة من الآن.

وعلى الرغم من تحقيق الثوار مكاسب على الأرض، إلا أنها ليست كافية لإنهاء الجمود السياسي والعسكري. وليس لدى الثوار أو القوات الحكومية القدرة على الفوز وحسم الأمور.

منظور مختلف

ويبدو موقف الحكومة السورية أكثر هشاشة عندما يجري النظر إليه من بيروت ولندن وواشنطن مما يبدو عليه من دمشق. وأخيرا، قمت شخصيا بقيادة سيارتي وقطعت مسافة 100 ميل من العاصمة باتجاه حمص، المدينة التي كانت فيما مضى معقل الانتفاضة، ولم أسمع إلا بضع طلقات على الطريق. وفي المدينة نفسها، التي تعد الثالثة من حيث الحجم في سوريا، لم أسمع أي طلق ناري، على الرغم من أن المدينة القديمة يسيطر عليها ثوار الجيش السوري الحر، فيما تسيطر الحكومة على معظم الأحياء الأخرى.

ويتجاهل التكتيك العسكري للطرفين مسألة حماية وضع المدنيين في المدن. فوحدات من الثوار المسلحين تنتقل إلى الضواحي، بمعزل عن مدى ترحيب السكان بها من عدمه.

وفي بعض الأماكن، مثل بلدة "دوما" الكبيرة في ضواحي دمشق، كان هناك دوماً وجود قوي لجماعة الإخوان المسلمين، كما أن الجيش السوري الحر يتمتع بشعبية فيها.

لكن في أماكن أخرى، لاسيما في حلب، فإنه ينظر إلى وصول الجيش السوري الحر برهبة، حيث يدرك السكان المحليون ما سيحصل في أعقاب قدومهم. ستفتح المدفعية الحكومية نيرانها وتقصف قنابل من الجو، فيهرب السكان وتصبح الأحياء المتنازع عليها أشبه ببلدة أشباح.

ويأتي الدعم الأقوى للثورة من الضواحي السنية المقفرة والأحياء الفقيرة للمدينة، والنهب الذي جرى في سوريا أعادني بالذاكرة إلى بغداد عام 2003 عندما استغل الفقراء والمحرومون سقوط الرئيس العراقي صدام حسين لينتقموا اجتماعيا، وينهبوا قصور قادة البعث.

جاذبية مهدورة

ومقدار النهب وعدم قدرة الثوار على استعادة الحياة الطبيعية في المناطق السكانية التي يسيطرون عليها يعزز من وضع الحكومة، حيث يبدو الثوار أقل جاذبية بشكل متزايد كبديل عن الدولة البوليسية البعثية، وتحديدا بالنسبة لأولئك الذين لديهم ما يخسرونه.

فبالنسبة لسكان سوريا من العلويين والمسيحيين والدروز وأي أقلية أخرى، الذين يشكلون نسبة 30% من إجمالي السكان، يبدو لهم الجيش السوري الحر كميليشيا سنية لا يتوقعون منها إلا القليل من الرحمة. ويرد الثوار على هذا التحول قائلين إن فرق الموت والدعاية الحكومية كانت وراء دفع الثورة الشعبية وتحويلها في اتجاه قنوات طائفية.

فهل يمكن أن يحدث شيء يغير ميزان القوى الحالي؟ على امتداد السنة الماضية، أمل الثوار أن يكون هناك تدخل خارجي على غرار الدعم الجوي لحلف شمالي الأطلسي "ناتو" للمتمردين في ليبيا. وهذا ما اتضح انه لم يحدث، بسبب المخاوف الأميركية والبريطانية من التورط في حرب شرق أوسطية أخرى.

ويقول الكاتب والصحافي باتريك سيل، والذي يعد خبيرا في الشؤون السورية، إن الصراع قد يتحول إلى حرب على غرار الحرب الأهلية في الجزائر في تسعينات القرن الماضي، عندما قتل 200 ألف جزائري، لكن بقيت الحكومة في السلطة. لكن هناك فرقاً كبيراً بين سوريا والجزائر، يتمثل في الدعم الخارجي الأقوى بكثير للثوار السوريين، لاسيما من الدول الإقليمية وتركيا.

والضعف العسكري للحكومة يظهر فشلها في شن هجوم مضاد مستديم في حلب للسيطرة على الأجزاء التي خسرتها من المدينة.

 

 

توقعات خاطئة

 

 

 

ما يجري في سوريا يجعل الاقتراح الروسي للتفاوض يبدو معقولاً بصورة أكبر. فإصرار الثوار على رحيل الأسد كشرط مسبق للمباحثات غير واقعي ، لأن الأسد يسيطر على معظم السكان في سوريا.

وعلى عكس ليبيا، فإنه توجد إشارات محدودة إلى وجود انقسامات داخل الدائرة الضيقة المقربة من النظام ، والتي يمكن أن تسرع بنهايته حتى الآن، وذلك بمعزل عن مدى التشاؤم بشأن هذا الاحتمال على المدى الطويل. وتوقعات القادة الأجانب بأن نظام الأسد سوف ينهار من تلقاء نفسه هي في الواقع تنبؤات بانتصار عسكري للثوار.

وهذا لن يحدث في وقت قريب، دون تدخل أجنبي مكثف. إذا كان مقدرا للحرب أن تنتهي، فإن ذلك سيكون عبر المفاوضات. وكما يقول الإبراهيمي: "لا يوجد حل عسكري، والحل يجب ألا ينتظر حتى عام 2014، بل ينبغي أن يكون في عام 2013".