أكد المفكر العالمي كيشور محبوباني أنه على الرغم من أن "الحروب آخذة في الانحسار، إلا أن التحديات الجيوسياسية متواصلة" في هذا العصر، مشيرا إلى أن استمرار سباق التفوق بين أميركا والصين ومعاركهما التي تخاض بالوكالة لا تحول دون تعاونهما على الجبهة الاقتصادية.
وأعرب محبوباني خلال حوار مع مؤسسة "برغروين لأنظمة الحكم" بمناسبة إصدار كتابه الجديد "التقارب الكبير: آسيا والغرب ومنطق العالم الواحد"، عن تفاؤله بنهوض طبقة وسطى عالمية تسعى للسلام ولدوام الاستقرار. ودعا إلى تعزيز دور مجموعة دول العشرين ،التي قال إنها تمكنت من إنقاذ العالم من أزمة مالية عالمية محققة، وأهمية تغيير عقلية قادتها للرد على التهديدات طويلة الأمد قبل وقوع الأزمات، وتعزيز قوة المؤسسات العالمية متعددة الأطراف قبل الحاجة إلى الاستعانة بها، بما في ذلك الجمعية العامة للأمم المتحدة.
تحسن مذهل
أشار محبوباني إلى أن أميركا وأوروبا لم يعد بإمكانهما تأمين نوعية القيادة التي كانت لديهما في الماضي، فالحصة الديمغرافية للغرب في تدهور مستمر، وحصته في الناتج القومي الإجمالي ستتراجع بشكل كبير في العقود المقبلة، وأن كل منهما بإمكانه أن يحصل على صفقة أفضل اليوم بإعادة تشكيل مؤسسات النظام العالمي، مما ستحصلان عليه بعد 20 سنة من الآن.
وفي ما يلي نص الحوار:
ما هي طبيعة "الحضارة العالمية الجديدة" التي تكتب عنها في كتابك الجديد "التقارب الكبير: آسيا والغرب ومنطق العالم الواحد"؟
في العقود الماضية الأخيرة، رأينا مئات الملايين ينهضون من الفقر ليشكلوا الطبقة الوسطى العالمية، وهذه الطبقة تتوجه بشكل حاسم نحو السلام والنمو الاقتصادي، وهذا تطور رائع في رفاهية الإنسان. ويفترض بنا أن نحتفي بهذا الإنجاز، وأن نحتفي أيضا بالإمكانيات الهائلة التي نملكها في هذا العصر. والمؤسف أنه يجري غمرنا بالأخبار السيئة في العادة، فنتجاهل الأخبار الجيدة.
وإذا ما ألقينا نظرة على سكان آسيا، لاسيما سكان الصين، فإن السنوات الثلاثين الأخيرة في الصين كانت من بين أفضل السنوات التي عاشها الشعب الصيني خلال 200 عام. والسنوات العشرين الأخيرة بالنسبة للشعب الهندي، كانت من بين أفضل عشرين سنة اختبرها هذا الشعب خلال 200 عام. ونحن نرى هذا التحسن المذهل في مستويات المعيشة وزيادة الازدهار في آسيا.
ولعل من أكثر الإحصائيات المؤثرة حول آسيا تتمثل في أن ما يقرب من 500 مليون نسمة يعيشون اليوم ضمن الطبقة الوسطى. وبحلول 2020، فإن هذا الرقم سينفجر بمقدار ثلاث مرات ونصف إلى 1.75 مليار نسمة. وهؤلاء الناس بعد أن اختبروا هذا التحسن الهائل في مستويات المعيشة، يريدون دوام الاستقرار وتواصل القدرة على التطور والنمو، بالتالي، الرغبة في الحصول على السلام وفي أن يكون هناك عالم مفتوح تزداد باضطراد بين تلك الطبقات الوسطى الناشئة.
تسير عكس التوجهات العالمية في رؤية دور معزز للجمعية العامة للأمم المتحدة. كيف تتناسب الجمعية العامة مع التحول السياسي الذي تدافع عنه؟
يعود السبب في إنشاء الناس للبرلمانات الوطنية إلى واقع أنه عندما توجد آراء يجري التشبث بها بقوة، تلك الآراء يمكن أن يعبر عنها في البرلمان. وإذا أردنا الحؤول دون زعزعة الاستقرار عالميا، ومنع الانفجارات السياسية على الأرض، فإن ما يفترض القيام به هو إيجاد نوع من البرلمان العالمي حيث يعبر الناس عن وجهة نظرهم بقوة، ومحاولة إيجاد برلمان عالمي من الصفر مهمة مستحيلة. فبالتالي، لماذا لا نأخذ المؤسسة القائمة (الجمعية العامة للأمم المتحدة)، البعيدة عن الكمال كما هي، للحصول على معنى لما يفكر به العالم؟
تبدو الحرب وقد أصبحت بائدة، والإحصاءات التي تقدمها في كتابك تؤيد هذا الأمر، لكنك تبدو قلقا بالفعل من إمكانية عودة الحرب واسعة النطاق، لماذا؟
أحد الأسباب التي دعتني إلى قضاء كثير من الوقت أناقش في كتابي خطوط التصدع الجيوسياسية لعصرنا، يكمن في الإظهار للناس أن الجيوسياسة لم تختف من الوجود. فالحرب آخذة في الانحسار، لكن التحديات الجيوسياسية لم تختف. وسيكون هناك سباق على التفوق بين أميركا والصين سواء أعجبنا هذا الأمر أم لم يعجبنا. والسؤال هو في كيفية إدارة هذا السباق. ويجب أن نتعلم كيفية إدارة تلك التحديات بشكل أكثر ذكاء وعدم جعلها تسحقنا تحت وطأتها.
ترجيح التفاؤل
كتابك متفائل عموما، لكنه متشائم قليلا حيال القيادة الصينية والأميركية. هل تعتقد أن أيا منهما على استعداد لرؤية العالم بالطريقة التي تقترحها؟
أشعر بمزيد من التفاؤل بعد إعادة انتخاب أوباما رئيسا للولايات المتحدة الأميركية، واختيار شي جينبينغ رئيسا للصين من قبل الحزب الشيوعي الصيني. بالنسبة لكليهما، فان الأولوية تكمن في تطوير وتعزيز اقتصادهما، مما يعني أنهما سيحتاجان إلى العمل سويا لأن بإمكانهما مساعدة بعضهما بعضا. وسيكون هناك دوما معارك بالوكالة. على سبيل المثال، ستقوم الولايات المتحدة باستغلال المصاعب التي تواجهها الصين في بحر الصين الجنوبي. وهذا أمر طبيعي جدا، لكن هذا لا يعني أن أميركا والصين لا يمكنهما التعاون على الجبهة الاقتصادية. وفي هذا الميزان، أمل أن تميل الدفة للتعاون أكثر من المنافسة.
تبدو أميركا وأوروبا، وبالأخص أوروبا، أنهما فقدا الاهتمام، نوعا ما، بتوسيع قوتهما خارج حدودهما. ماذا ستكون برأيك تأثيرات ذلك الأمر؟
سياسات أميركا وأوروبا الغربية شديدة التعقيد. وهما يقلقان بشأن تولي المسؤولية الدولية. بالتالي، فانهما على سبيل المثال، يسيران بعيداً عن قيادة جولة الدوحة لمنظمة التجارة العالمية. ولهذا السبب تفشل جولة الدوحة، وأميركا وأوروبا لم يعد بإمكانهما تأمين نوع القيادة التي كانت لديهما في الماضي لإنجاز الصفقات. لكن في الوقت نفسه، يريدان أيضا التمسك بموقعهما في السلطة. على سبيل المثال، على الرغم من مبادرات قمة لندن لمجموعة دول العشرين، فإن رئيسي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي تم اختيارهما مجدداً على أساس الأصل الجغرافي بدلا من الكفاءة. وهذا خطأ يسجل للغرب، الذي يمثل 12% من سكان العالم، في الإصرار على التحكم بنسبة 60% من المقاعد الدائمة في مجلس الأمن. ولهذا السبب، نحتاج إلى إعادة هيكلة مجلس الأمن.
