قالت وزارة الخارجية الأميركية في معرض ردها الغاضب على الخطاب الذي ألقاه أخيراً الرئيس السوري بشار الأسد: إن الأسد «منفصل عن الواقع»، ولكن الشيء نفسه يمكن أن يقال عن الولايات المتحدة وخصوم الأسد الآخرين الغربيين، فبعد عامين من الاستنزاف الدموي، تظل الحقيقة هي أن الأسد لا يزال في سدة السلطة، ولا يظهر أي مؤشر على اهتمامه بالمطالب بالتنحي، وهو لا يزال بعيداً عن الهزيمة، والواقع الآخذ في التطور هو أن الأسد قد يودع الكثير من أعدائه وربما ينتصر في الحرب الأهلية التي تشهدها سوريا.
تفسير منطقي
ولا تكمن تفسيرات هذه القدرة على البقاء في قدرات الأسد الشخصية التي هي قدرات محدودة، ولا في استمرارية مؤيديه المحليين الذين يشكلون أقلية، ولا في ضراوة الأسد في شن حملته العسكرية، والتفسير الأقرب إلى المنطق يكمن في إنجازه المراوغ المتعلق بإقناعه لمعتزمي التدخل في سوريا بأنه على الرغم من فظاعته، فإن ما سيأتي بعده سيكون بالتأكيد أسوأ. وعندما شرع معلقون في واشنطن مثل ديفيد إغناتيوس في الحديث عن عملية «الحقيقة والتصالح»، فإننا ندرك بشكل ما أن المعركة قد خسرت.
وقد كانت عملية إعادة التعليم الجيوسياسية هذه تدريجية، ولكنها فعالة إلى حد كبير، ويتمثل أحد جوانبها القوية في إبراز الدور المتزايد للمتشددين داخل سوريا الذين يدينهم الأسد بانتظام باعتبارهم إرهابيين يهددون الأمة السورية حسب تعبيره. و«عنصر التخويف» هذا يضرب جذوره في رسالة بالفيديو دعا فيها زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري المسلمين في لبنان وتركيا والأردن والعراق إلى تقديم المساعدة في تدمير النظام السوري.
خشية الغرب
وقد كان لإدراك الغرب أن سوريا ليست مصر أو ليبيا أخرى، حيث أدت الثورتان هناك إلى نتائج واضحة نسبياً، وأنها قد تصبح دولة فاشلة أخرى، تأثير كبير في الرأي العام الغربي، بما في ذلك في الولايات المتحدة. وقد أبرزت ذلك الخوف تقارير عدة تفيد بأن أسلحة الأسد الكيميائية يمكن أن تقع في أيدي المتشددين، وقد حذر أوباما الرئيس الأسد بأن عليه ألا يستخدم هذه الأسلحة ضد خصومه، والخوف الأكبر هو أن هذه الأسلحة قد تستخدم ذات يوم ضد أهداف غربية.
تجنب الرهان
وقد أصبح تجنب الغرب للرهان على سوريا جلياً، في الشهور الماضية، حتى في الوقت الذي يحتدم خطابه بشأنها، وأصبحت المطالب السياسية، وهي في المقام الأول أن يتنحى الأسد على الفور ودون شروط مسبقة، أصبحت أكثر تصلباً، ويتمثل الموقف الغريب الذي تقوده فرنسا في أنه ما من شيء غير تغيير رأس النظام سيكون كافياً. ولكن في الوقت نفسه، فإن الجدل حول القيام بما تمس إليه الحاجة عسكرياً ولوجستياً لضمان ذلك الهدف على سبيل المثال من خلال تسليح الثوار يبدو أنه قد توقف، والثوار هم الخاسرون في هذا الجانب.
وعلى الرغم من إعادة وضع قوى المعارضة تحت مظلة التحالف الوطني السوري، فإن إمدادات الأسلحة والدعم المالي يتقلص. وتشير حقائق عدة إلى خلاصة واحدة، ومن هذه الحقائق أن الولايات المتحدة وبريطانيا قد التزمتا الجمود، فيما بعثة سلام ثانية للأمم المتحدة من قبل الأخضر الإبراهيمي تصل إلى طريق مسدود. وكذلك الحقيقة القائلة إنه ما من ضغط ملموس قد مورس على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لرفع حمايته الدبلوماسية عن الأسد، وهناك كذلك الحقيقة القائلة إن التدخل العسكري من جانب الغرب قد استبعد علناً وبشكل صاخب، وهناك أيضاً الحقيقة القائلة إنه ما من جهد دولي إنساني للإغاثة قد بذل لمساعدة اللاجئين السوريين في تركيا ولبنان والأردن، وهذه الحقائق تفضي إلى استنتاج أن الغرب ليس جاداً في ما يتعلق بوضع نهاية لنظام الأسد، وهي رسالة لا شك في أن الأسد قد تلقاها.
استبعاد التدخل
على الرغم من كل التنبؤات المفعمة بالثقة القادمة من الثوار السوريين ومؤيديهم، فإنه ما من أحد في المعارضة السورية يمكنه أن يفسر الجواب لماذا سينتصرون، فالنظام يحظى بالوحدة ولديه كل الأسلحة الثقيلة والكثير من الثوار يواصلون العمل بافتراض أن الولايات المتحدة سوف تتدخل لجعل التوازن يميل لصالحهم.
ولكن على الرغم من كل الضجة والضجيج في واشنطن ولندن، فإن التدخل الغربي الحاسم مستبعد إلى حد كبير، وقد آن الأوان لقيام قادة غربيين من أمثال أوباما ووليام هيغ بالإقرار بهذا الواقع والبدء في التعامل مع ما هو كائن وليس ما قد يكون.
