بعد عامين من الحرب الأهلية تقريبا، لم يعد هناك خياران بالنسبة لسوريا أحدهما سياسي والآخر عسكري، حيث يعتمد كل من جانبي الصراع في الوقت الراهن على القوة. والناشطون المعارضون الذين يحاولون الحفاظ على الطابع السلمي الأصلي لانتفاضتهم لا يزالون موجودين، ولكن الثوار المسلحين هم الذين يملون القرار. والعناصر الموجودة في النظام التي أرادت الدخول مع المعارضة في نوع من الحوار تم تهميشها في مرحلة مبكرة من قبل الرئيس السوري بشار الأسد، عندما كان رد على الاحتجاجات بعنف.
مؤشرات خارجية
ويتعين بالفعل أن تكون هناك عملية سياسية، ولكن الظروف التي ستحدث في ظلها مثل هذه العملية تعتمد الآن إلى حد كبير على التطورات العسكرية على الأرض، بالإضافة إلى حد ما إلى المؤشرات والتحركات من جانب اللاعبين الدوليين.
ولكن إذا كان كلا الجانبين يستخدمان الآن الوسائل العسكرية لتحقيق أهداف سياسية، فإن هذه الأهداف تختلف، وبالنسبة للمعارضة يعد النضال العسكري وسيلة لدعم الانتفاضة التي كانت مدنية أصلا. وهي تعتبر السكان المدنيين، حتى أولئك الذين يقيمون في الأراضي الواقعة تحت سيطرة النظام، قاعدتهم، وهي تستهدف الإطاحة بالنظام من خلال كسب الأرض سياسيا وعسكريا.
مفهوم غير واقعي
ويدرك الكثير من المسؤولين الحكوميين أن النظام لا يمكنه الفوز عسكريا، وقد قال نائب الرئيس السوري فاروق الشرع ذلك صراحة في مقابلة أخيرة، ولكن الخسائر في الأراضي والنكسات السياسية لم تجعل جوهر النظام الملتف حول بشار الأسد وأخيه ماهر لا يميل إلى التفاوض. فاقتسام السلطة ليس مفهوما واردا في رؤية البعث للعالم.
كما أن الأسد لا يبدو على نحو ما ظهر من خطابه الأخير أكثر استعدادا مما كان عليه قبل عام للتفاوض حول خروج آمن من سوريا، فاستراتيجيته السياسية هي البقاء، ولكنها لم تعد تدور حول سوريا بأسرها، فالأسد يعتقد أن بمقدوره التركيز على الاحتفاظ بعدة مناطق استراتيجية هي دمشق والجبال الساحلية التي يقطنها العلويون بصفة أساسية وميناء طرطوس ومناطق الاتصال البرية بين هذه المناطق. بينما يتبع سياسة إنزال العقاب عبر الأرض المحروقة بالأراضي التي يسيطر عليها الثوار.
وعلى الصعيد العسكري ، فإن الأسد يعتمد الآن كلية تقريبا على الموالين من الطائفة العلوية الذين يسيطرون على المراكز المهمة التي يشغلها الضباط. ولا تزال كتائب النخبة العلوية بشكل أساسي وسلاح الجو دونما مساس بهما إلى حد كبير، وتؤيدهما على الأرض ميليشيات تم تجنيدها على وجه السرعة، وهي التي يطلق عليها اسم الشبيحة، والتي كانت مسؤولة عن معظم الفظائع التي ارتكبت بحق المدنيين.
ومع تفاقم الفظائع ، فإن الحرب تحولت بصورة متزايدة إلى صراع عرقي ،وتزايدت الدعاية التي تصور العلويين باعتبارهم العدو في صفوف الأكثرية السنية، مما جعل بعض الجماعات المتشددة تستهدفهم.
وكنتيجة لذلك، فإن الكثير من العلويين هم الآن على استعداد للقتال إلى جانب الأسد ليس نتيجة لاقتناعهم به، وإنما خوفا من أنهم سيتعرضون مع عائلاتهم للذبح. ومن دون تطمينات تتعلق بمستقبلهم، فإن رجال كتائب النخبة وسلاح الجو والاستخبارات والشبيحة سيواصلون القتال لضمان حياة مجتمعهم، ربما في جيب علوي في الجبال الساحليةِ.
ومن المؤكد أن اللوم يقع على كاهل النظام فيما يتعلق بتدميره للنسيج الاجتماعي السوري، ولكن هذا لا يساعد في إصلاح الضرر الذي وقع، فكلما أحرزت المعارضة تقدما، زادت مسؤوليتها عن إنقاذ الدولة وإعادة بنائها.
وقد قامت المعارضة بخطوة مهمة من خلال تشكيل التحالف الوطني لقوة الثورة والمعارضة السورية. ويحظى هذا التحالف الآن بقيادة تتمتع بمصداقية لها اتصالات أفضل مع لجان التنسيق المحلية وغيرها من الجماعات المدنية داخل سوريا، وقد احرزت تقدما تجاه توحيد القوى المتنوعة للجيش الحر وغيره من الجماعات المسلحة تحت قيادة عسكرية واحدة.
وعلى الرغم من ذلك، فإنه يتعين على المعارضة السورية بالتوازي مع النضال العسكري أن تقدم نفسها باعتبارها بديلا يتمتع بالمصداقية للنظام. ومن بين أمور أخرى فإن التحالف يحتاج إلى البدء بتقديم الخدمات في المناطق المحررة، وبصفة خاصة من خلال توزيع المعونات العاجلة على السكان واللاجئين.
وفي الوقت نفسه، فإن الجيش الحر السوري يحتاج إلى أن ينأى بنفسه عن القوى المتطرفة، ويقدر زعماء المعارضة بجلاء القوى القتالية لهذه الجماعات ، غير أنه على الصعيد السياسي فإن المعارضة لا يمكنها أن تكسب مع قوات تؤدي إلى إثارة مخاوف أولئك السوريين الذين يعارضون النظام، ولكن يمكن أن يؤدي سقوطه إلى مزيد من القمع وسفك الدماء.
وبفضل تاريخها الشخصي ، فإن شخصيات التحالف مثل أحمد معاذ الخطيب ورياض سيف وسهير الأتاسي هي في وضع يتيح لها طرح رؤية للتعايش بالنسبة لأولئك الذين تمسكوا بالنظام، وبصفة خاصة العلويين، وقد كان تعيين شخص علوي سفيرا لدى باريس إشارة جيدة لكنها ليست كافية لطمأنة العلويين إلى أن يكون لهم مكان في سوريا ما بعد الأسد.
تعزيز المعارضة
تتمتع القوى الدولية بتأثيرها في سوريا حتى لدى المعارضة، والطريقة الرئيسية لتقوية الذين يريدون بناء سوريا الديمقراطية في مرحلة ما بعد الأسد، هي توحيد تدفق المال والدعم المادي. وكلما ازدادت قدرة التحالف والجيش الحر على دفع الرواتب لجنودهما وتوفير المعدات الضرورية، زاد خضوع الميليشيات والجماعات الأخرى لقيادتهما.
وهذا من شأنه أن يزيد السيطرة المدنية على البنية العسكرية للثوار، وأن يضعف الجماعات المتطرفة، ويحسن فرص الانتقال السياسي.
