التصور والثقة والتطبيق والرعاة الاقليميين تشكل أربعة عوائق رئيسية تقف أمام تسوية الصراع في سوريا بالدبلوماسية.

فقد رفض صانعو القرار في الغرب حتى الآن فكرة تسليح شامل للمعارضة السورية لأسباب عدة، لكن الوقائع على الأرض تجاوزت على نحو متزايد هذه الحجج، والأسباب المؤيدة لتسليح الثوار تزداد قوة شهرا بعد آخر. فبعد سنتين تقريبا من سفك الدماء من قبل الحكومة السورية، هناك احتمال ضئيل لأن ينهي اتفاق وسطي بين الفصائل الصراع في سوريا. ومما يزيد الوضع سوءا هو أن نتيجة يجري التفاوض عليها من شأنها استدامة استراتيجية الأسد المفضلة، في استخدام خطر الحرب الطائفية لدفع خصومه في المجتمع الدولي إلى التخوف من التورط، وبدلا من ذلك، ينبغي أن تكون نهاية نظام الأسد حاسمة وكاملة.

وبالطبع، هناك من يختلفون مع هذا الرأي، ويقولون إن الثوار السوريين إذا انتصروا، فإنهم سيسعون إلى الانتقام، ولن يتبنوا الديمقراطية ولا الليبرالية، وإن فوزا عسكريا حاسما في حرب أهلية يعد أمرا خطيرا، حيث سيحاول الطرف الفائز على الأرجح استبعاد الأخرين من الحكومة من خلال الهيمنة عسكريا، بدلا من محاولة استمالة المنافسين السابقين بضمهم إليها.

هشاشة التسويات

لكن التاريخ لا يدعم بالضرورة الرأي المؤيد للتسويات. فالتسويات التي يجري التفاوض بشأنها برهنت في الواقع على أنها ضعيفة من حيث التشجيع على نزع السلاح بشكل متبادل، والاندماج العسكري، وتقاسم السلطة السياسية. ولقد انتهى ما يقل عن ربع الحروب الأهلية منذ عام 1945 بتسوية جرى التفاوض بشأنها. وكثير من تلك الصفقات الخاصة بتقاسم السلطة جرى انتهاكها قبل أن يتم تطبيقها. أما الصفقات التي تمكنت في الوصول إلى مرحلة التطبيق، فإن الحكومات فيها انهارت تحت وطأة صراعات متجددة عموما.

وتنهار التسويات التي يجري التفاوض بشأنها في العادة أولا بسبب قضية نزع السلاح. والبحوث الأكاديمية تشير إلى أن المفاوضات تطلب من المتحاربين القيام بأمور غير واردة بالنسبة لهم على الإطلاق، حيث يطلب منهم حل قواتهم ونزع سلاحهم والاستعداد للسلام في وقت لا توجد فيه حكومة أو مؤسسات شرعية لتطبيق الاتفاقية.

وما أن يلقوا سلاحهم، حتى يصبح من المحال تقريبا فرض التعاون على الطرف الآخر، والمتنافسون لا يمكنهم أن يعدوا بالالتزام بمصداقية بتلك الشروط المحفوفة بالخطر. والأمر الأكثر استدامة من التسويات المتفاوض عليها هي انتصارات يحققها الثوار. فيتعين على الثوار في العادة الحصول على دعم كبير من مواطنيهم في سبيل أن ينتصروا، وبعد وصولهم إلى الحكومة، فإن الأمر الأكثر ترجيحا أن يسمحوا للمواطنين بأن يكون لهم دور في السياسة في سبيل تعزيز شرعيتهم بشكل أكبر.

وبالطبع، كل صراع هو فريد من نوعه. وفي سوريا، فإن الأمر الأكثر ترجيحا، أخذا في الاعتبار رد الفعل الدولي الخجول، والمصالح المتنافسة لروسيا وأميركا، والسباق الإقليمي، أن يجري تقرير الصراع في ميدان المعركة، والمد يتجه لصالح الثوار.

لكن لنعتبر، أن القوى الإقليمية والدولية قررت وقف العنف بالدبلوماسية، فإن أربع قضايا رئيسية ستمنع من حصول ذلك.

أربعة عوائق

الأول هو مسألة التصور. فالثوار خاضوا حربا طويلة وشاقة، وتكبدوا خسائر بشرية هائلة، ويشعرون أن النصر وشيك. ويعتقدون أن لديهم الزخم، وأن الوقت لجانبهم، وهم واثقون بأن دفعة أخيرة واحدة في العاصمة قد تؤدي إلى سقوط الأسد. بالتالي، ليسوا مهتمين بإعطائه طريقاً للخروج عبر صفقة سياسية.

ثانيا، كما في كل تلك الصراعات، فان قضية الثقة هي قضية حساسة. سنتان من الحرب، مع فظائع على الجانبين، زودت بأدلة وافرة فيما يخص النوايا السيئة للطرف الآخر. ولا توجد كمية من الحبر في أي تسوية ستغير هذا الأمر، مما يقلل من احتمال أن يكون الطرفان على استعداد للتخلي عن سلاحهما، عندما يطلب المجتمع الدولي منهما ذلك.

والقضية الثالثة تتعلق بالتطبيق. والأمر الأكثر ترجيحا هو أن يقدم المجتمع الدولي الأمم المتحدة كضامن للأمن. والتقارير تشير إلى أن قوة حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة يصل قوامها إلى 10 آلاف جندي يمكن أن ترسل إلى سوريا كجزء من تسوية يجري التفاوض بشأنها كان قد وضع خطوطها العامة أخيرا المبعوث الأممي- العربي الخاص إلى سوريا الأخضر الإبراهيمي. لكن أخذا في الاعتبار سجل الأمم المتحدة في مهام الاستقرار الذي ينقصه الكمال، فانه لا يوجد سوريون كثر سيبتهجون بوصول ذوي الخوذات الزرقاء.

بالإضافة إلى ذلك، والآن بعد أن حددت واشنطن "جبهة النصرة" كمنظمة إرهابية، فإن أي تسوية سياسية أو تقاسم للسلطة سوف يعمل على استبعادها، وهذا سوف يترك عدوا واحدا آخر ينبغي إيقاع الهزيمة به وعائقا إضافيا آخر يجب التغلب عليه. القضية الرابعة تتعلق بالرعاة الإقليميين الذين يفترض أن يباشروا في الانخراط في الدبلوماسية. ولأن سوريا تؤثر على أمن كل دول الشرق الأوسط، فإن الحل ينبغي أن يشمل كل القوى الرئيسية في المنطقة.

كما أن أي تسوية يجري التفاوض بشأنها يجب أن ينجم عنها أمران رئيسيان مجتمعان للسوريين: الأمن والسلطة السياسية. والاكتفاء بدعوة السنة والعلويين إلى التخلي عن رشاشاتهم لا يجدي نفعا، لكن تأمين بديل امني يتمتع بمصداقية والمساعدة في تشكيل تحالف حكومي شامل يمكنهما ذلك. وكلما ازداد حجم التحالف الحاكم في مرحلة ما بعد الأسد، يزداد عدد العلويين والسنة المهتمين في الحفاظ على السلم.

لكن يبقى السؤال الصعب الآتي: إذا لم يجر التوصل إلى اتفاق يمنح الأمم المتحدة دور حافظ للسلام، فما هو نوع القوة الدولية والإقليمية المطلوبة لضمان الأمن؟ يشير التاريخ إلى أن الطرف الثالث نادرا ما يبقى مشاركا في أدوار حفظ السلام لفترة طويلة في مرحلة ما بعد الحروب الأهلية، ولا يمكن أن يكون أقل كفاءة.

فرص ضئيلة

 

النتيجتان المحتملتان، المتعلقتان بالخروج بتسوية يجري التفاوض بشأنها ونصر عسكري للثوار في سوريا، تتخللهما العيوب. إلى الآن، عملت القوى الإقليمية على إحراز نصر عسكري، واختارت أحد الجانبين في الصراع، وحاولت مساعدته على الفوز. فإذا غيرت القوى الإقليمية مسارها، واختارت المفاوضات جديا لوقف سفك الدماء وبناء السلام، فإن التحدي الدبلوماسي سيكون هائلا. ومثل هذه المحاولة في هذا الوقت المتأخر أمامها فرص ضئيلة في النجاح في أفضل الأحوال، وعلى الأرجح أن يطيل الصراع السوري، بدلا من إنهائه.