شكل زعيم الحزب الليبرالي الديمقراطي، شينزو آبي، حكومته أخيرا، وهذه هي الولاية الثانية له كرئيس للوزراء على أثر عودة الحزب إلى السلطة، بعد غياب دام ثلاث سنوات وثلاثة أشهر.
وكان الحزب الليبرالي الديمقراطي وحليفه كوميتو قد ضمنا في انتخابات مجلس النواب في 16 ديسمبر الماضي، أكثر من ثلثي مقاعد البرلمان، مما خول التحالف نظريا إلغاء القرارات التي يتخذها مجلس المستشارين بشأن مشاريع القوانين.
الرأي العام
لكن في إدارة الحكومة، يتوجب على حكومة الحزب الليبرالي الديمقراطي- كوميتو أن تنصت بتواضع إلى آراء الأحزاب، كما إلى وجهة نظر الرأي العام. والفوز الساحق للحزب الليبرالي الديمقراطي لم يكن نتيجة لدعم الناخبين القاطع للحزب، بل نتيجة لرغبتهم في معاقبة الحزب الديمقراطي الياباني، الذي فشل في الوفاء بكثير من وعوده الانتخابية بعد توليه السلطة في أغسطس 2009.
ولقد سجل الحضور في انتخابات مجلس النواب الأخيرة أدنى مستوى قياسي له، الأمر الذي أشار إلى أن عددا كبيرا من الناس يفقدون ثقتهم بالسياسة، أو يشعرون بغياب حزب سياسي يعمل لتحسين أوضاعهم المعيشية. وأمام آبي مسؤولية جسيمة في الإثبات للرأي العام أن السياسة لا تعمل على تعزيز مصالح السياسيين، بل على تحسين رفاهية الشعب.
ويقود آبي اليابان في فترة تواجه خلالها البلاد مصاعب اقتصادية واجتماعية ودبلوماسية. ولا بد من أن يحاول جاهدا تحسين الاقتصاد وتعزيز أنظمة الرعاية الاجتماعية حتى يتمكن الناس من التمتع بحياة آمنة، وتحسين البيئة الدبلوماسية المحيطة باليابان، لا سيما في شرق آسيا. ويتعين عليه أن يدرك أن جزءا كبيرا من المصاعب التي تمر بها اليابان حاليا يعود للسياسات التي تبنتها إدارات الحزب الليبرالي الديمقراطي في الماضي، بما في ذلك تشجيع توليد الطاقة النووية.
وآبي بوصفه محافظا يجب أن يعي حقيقة أن السياسات القائمة على التعصب للسوق، التي دفع بها قدما حكم الحزب الليبرالي الديمقراطي لرئيس الوزراء جونيتشيرو كويزومي كان تأثيرها في تمزيق المجتمعات، والأعمال القائمة على العلاقات المجتمعية، والروابط الإنسانية التي يتشارك بها الناس من خلال عضويتهم في المجموعات والمنظمات المختلفة. وكان رمز هذا التحول الزيادة في نسبة العمال غير النظاميين إلى أكثر من ثلث القوة العاملة في البلاد، وهؤلاء يعيشون حياة غير مستقرة اقتصاديا واجتماعيا بشكل واسع، والمجتمع الذي يفتقر فيه كثير من الناس إلى الروابط الإنسانية المتينة هو مجتمع مهتز، ويتعين على آبي أن يمضي في سياسات تعيد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لهم.
مهام اقتصادية
وكان من المهام الرئيسية الأولى لحكومة آبي وضع ميزانية تكميلية للسنة المالية 2012 من أجل تعويم الاقتصاد. ويدعو الحزب الليبرالي الديمقراطي إلى زيادة الإنفاق من خلال الميزانية بمقدار 10 تريليون ين ياباني. ويدعو أيضا إلى انفاق 200 تريليون ين ياباني على مشاريع الأشغال العامة على مدى عشر سنوات، تحت مسمى جعل اليابان مقاومة للكوارث الطبيعية.
والميزانية التكميلية وسياسة الحزب الليبرالي الديمقراطي تنطويان على مخاطر مراكمة مشاريع أشغال عامة تؤمن منافع لناخبي الممثلين السياسيين حصرا، وهما بإمكانهما تحفيز الاقتصاد لكنهما لن تساهما في تحويل اليابان إلى اقتصاد قوي، وإصدار سندات للميزانية التكميلية سيضر أيضا بصحة الأوضاع المالية في البلاد، وبناء على ذلك، ينبغي أن توافق الحكومة الجديدة فقط على مشاريع الأشغال العامة الضرورية فعلا.
ويدعو آبي مصرف اليابان إلى شراء جميع السندات التي تصدرها الحكومة لتمويل مشاريع الإعمار، والى تطبيق تسهيل نقدي غير محدود. لكن هذه السياسة يمكنها أن تدمر الثقة بالمصرف المركزي للبلاد وبالحكومة، مما يخفض أسعار السندات الحكومية ويزيد أسعار الفائدة طويلة الأجل. وقد ينتج عن ذلك تضخم لا تصاحبه زيادة في الأجور وفرص العمل. والمشكلة العويصة هي أنه حتى إذا طفح الاقتصاد بالمال، فإنه لا توجد فرص كثيرة تحفز الشركات على زيادة الاستثمار الرأسمالي. والسياسة النقدية وحدها لن تنعش الاقتصاد الياباني.
وحكومة آبي سيتوجب عليها تطوير سياسات ملموسة لتشجيع الزراعة والسياحة والصناعة الصديقة للبيئة، وخدمات الرعاية الطبية والتمريض بهدف إيجاد أسواق وفرص عمل جديدة.
ويبدو أن آبي يفضل إعادة تشغيل محطات الطاقة النووية وبناء محطات جديدة. لكن الشعب بأغلبيته يريد أن تنهي اليابان اعتمادها على الطاقة النووية في النهاية، لأن سلامتها لا يمكن أن تكون مضمونة في تلك البلاد المعرضة للزلازل. وإذا ما أعيد تشغيل محطات الطاقة النووية، فإن مرافق تخزين النفايات النووية لها سوف تمتلئ في غضون سنوات معدودة. والتكنولوجيا المتعلقة بتخزين آمن لنفايات عالية الإشعاع بشكل دائم غير موجودة. ويفترض أن يسال آبي نفسه ما إذا كان بإمكانه أن يتحمل مسؤولية المشكلات البيئية المدمرة الناجمة عن كارثة نووية أخرى.
خطوات دبلوماسية
وفي الميدان الدبلوماسي، يتعين على آبي أن يتخذ خطوات جدية لإصلاح الروابط مع الصين وكوريا الجنوبية، وأن يتجنب أي خطوة يمكن أن يعتبرها هذان البلدان استفزازية. كذلك أن يضمن أن لديه قنوات تواصل قوية معهما تمكنه من حل أي مشكلات قد تنشأ مع أي منهما بطريقة دبلوماسية.
ويتعين على آبي أيضا أن لا ينسى غضب سكان أوكيناوا حول خطة إعادة تموضع قوات مشاة البحرية الأميركية في الجزء الشمالي من الجزيرة. وطالما يمضي آبي في التزامه بخططه، فان غضب أوكيناوا لن يهدأ والأوضاع المحيطة بالقواعد هناك ستبقى غير مستقرة، بتأثير سلبي على التعاون الأمني الياباني الأميركي.
وأخيرا، ينبغي أن يعدل آبي عن أي محاولة تقضي بمراجعة المادة التاسعة من الدستور التي تنبذ الحرب. وأخذا في الاعتبار الماضي العسكري لليابان، فإن مثل هذه الخطوة سوف تعمق الشكوك لدى المجتمع الدولي حول النوايا الحقيقية لليابان ليس إلا، مما يعرض للخطر مصالح البلاد وامنها.
مخاوف أمنية
أي مراجعة للمادة 9 في الدستور الياباني ستعمق الشكوك لدى المجتمع الدولي حول النوايا الحقيقية لليابان ،مما يعرض للخطر مصالح البلاد وامنها. واي محاولة من قبل رئيس الوزراء لممارسة حق الدفاع الذاتي الجماعي قد يخضع قوات الدفاع الذاتية إلى أوضاع دولية لا قدرة لليابان على السيطرة عليها. وأخذا في الاعتبار الموقف المتشدد لرئيس الوزراء الياباني، شينزو آبي، فإن خطواته المستقبلية المتعلقة بقضايا الدفاع ينبغي أن تراقب عن كثب.
