عمت وسائل الإعلام مشاعر القلق بتحذيرات من خطر احتكاك جديد في شمال شرق آسيا في أعقاب الفوز الساحق للحزب الليبرالي الديمقراطي المحافظ في اليابان أخيراً. فالرجل العائد إلى السلطة شينزو آبي، قال إنه سيكون أشد صرامة تجاه الصين، وانه قد يعيد النظر بالاعتذارات السابقة التي أبدتها اليابان عن بعض تجاوزاتها في زمن الحرب.
وإذا ضغطت الحكومة الجديدة ومضت قدماً في بعض جوانب هذا الخطاب المحموم بالفعل، فإنها قد تعقد سياسة أميركا الخارجية وتضر بصورة اليابان في الخارج. لكن، مع ذلك، هذا لا يعني أنها تتحول الآن إلى دولة خطرة، بل على النقيض من ذلك، لا بد أن ترحب أميركا بالواقعية المتزايدة في السياسة الأمنية اليابانية.
تأثير إيجابي
ومع وصول الزيادة في الإنفاق العسكري الصيني إلى أرقام مضاعفة، وفي ظل المبدأ البحري العدواني الجديد للصين الهادف إلى الضغط الخارجي من أجل السيطرة على ما يطلق عليه الاستراتيجيون في بكين اسم "البحر القريب"، فإن القيود الحالية على السياسات العسكرية اليابانية تشكل خطرا أكبر من شبح عودة الروح الحربية اليابانية. وتنفق اليابان أقل من 1% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، وسيقوم آبي على الأرجح بزيادة هذه النسبة، لاسيما من أجل دعم خفر السواحل الياباني، المغلوب على أمره حاليا وهو يحاول تعقب الزيادة في عدد السفن الصينية العاملة ليس في جزر سنكاكو المتنازع عليها وحولها فحسب، بل أيضا في الأرخبيل الياباني بأكمله.
ولقد وعد آبي أيضا بممارسة حق الدفاع الجماعي في إطار ميثاق الأمم المتحدة، الأمر الذي سيسمح لليابان ببذل مزيد من الجهود لدعم القوات الأميركية في حال اندلاع أزمات لا تشمل هجوما مباشراً على الأراضي اليابانية. وهذا سينقل التحالف الأميركي الياباني في اتجاه يقترب من حلف شمالي الأطلسي "ناتو" أو التحالف الأميركي مع أستراليا، حيث يمكن أن تتوقع أميركا دعما إذا تعرضت هي أو دولة بتفكير مشابه للهجوم.
وممارسة الحق في الدفاع الجماعي ستكون مهمة بشكل خاص بالنسبة للجهود المشتركة الخاصة بالدفاع الصاروخي، في الوقت الذي تعمل كوريا الشمالية على توسيع ترسانتها لضرب اليابان والولايات المتحدة.
وعلامة فارقة أخرى في السياسة الخارجية لآبي تتمثل في توسيع التعاون الأمني في المجال البحري مع دول ديمقراطية، كأستراليا والهند، اللتين أطلق آبي اتفاقات تعاون دفاعي غير مسبوقة معهما عندما كان في السلطة سابقا. وكل هذه الخطوات تعزز الأمن في المحيط الهادي.
النظرة إلى اليابان
وسيكون مضللا وضع اليابان في قالب الدولة المنبوذة داخل آسيا. ففي جنوب شرق آسيا، تميل استطلاعات الرأي حول اليابان لصالحها عموما أكثر مما تميل استطلاعات الرأي هناك لأميركا أو الصين. وبلدان مثل الفليبين وفيتنام، حريصان بشكل خاص لرؤية اليابان اكثر حزما، نظرا لمشكلاتهما مع بكين في البحر. والبلدان في المنطقة حيث استطلاعات الرأي حول اليابان هي سلبية هما الصين وكوريا الجنوبية. وبين هذين الجارين، مع ذلك، فإن وجهة النظر الصينية في اليابان هي الأكثر عدائية. بالإضافة إلى ذلك، وجهة النظر الكورية في الصين تميل إلى أن تكون اكثر سلبية من وجهة نظرها تجاه اليابان.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية للسياسة الأميركية في بعض جوانب هذا الخطاب القومي المحموم لليمين في اليابان. ويميل القادة اليابانيون والكوريون للاتفاق على أن مستقبل آسيا يتوقف على الديمقراطية وحكم القانون. أما القادة الصينيون، فيقولون لنظرائهم الكوريين إن القضية الأساسية في آسيا تكمن في منع الروح العسكرية اليابانية. وكلما ازداد ترديد صدى تلك الكلمات على مسمع الكوريين، ضعف موقف اليابان في شمال شرق آسيا، ومعه موقف الولايات المتحدة.
ومنطقة آسيا المحيط الهادي تنتقل نحو المزيد من احتضان المبادئ العالمية التي ستشكل في النهاية الخيارات المطروحة أمام قادة الصين فيما يتعلق بمستقبل بلادهم. وآبي كان من الدعاة الأوائل لهذه القيم. ونظرا للتحولات السريعة في القوة في آسيا، فمن الأهمية بمكان أن يحتشد حلفاء أميركا وراء رؤية مشتركة لمستقبل المنطقة، وعدم الانشغال بالقضايا الخلافية التي سيستخدمها خصوم الديمقراطية لتبرير استبدادهم.
وبالقدر نفسه من الأهمية قيام أميركا واليابان وكوريا بالعمل سويا لإقناع كوريا الشمالية بعدم قيامها بتجربة نووية ثالثة، وتعزيز الدفاع المشترك إذا ما تمت هذه التجربة. وتوجه اليابان نحو اليمين ليس تهديدا للسلم والاستقرار، لكن يمكن أن تعيق اللهجة الخطأ الصادرة عن طوكيو بشأن الاستراتيجية الأميركية-اليابانية تجاه المنطقة
تحول براغماتي
هناك احتمالات قوية لأن تنتقل الحكومة الجديدة في طوكيو من الأيديولوجية إلى البراغماتية. ففوز آبي بأغلبية كبيرة، لا يعني الكثير مع وجود ناخبين متقلبين في اليابان هذه الأيام، وفي سبيل الفوز بدعم لفترة أطول من الشعب يتعين عليه أن يظهر كفاءة على الصعيد الاقتصادي. ولقد أوضح أنه يدرك قدرة اليابان على التعامل مع المشكلات الأمنية في الفناء الخلفي لها، بالاستناد في المقام الأول إلى التحالف القوي مع أميركا. وكحليفين، يتعين على أميركا تعزيز الدعم لجهود اليابان في ضمان ممراتها البحرية، وفي الوقت نفسه إيضاح أن المصالح الأميركية تخدم بشكل افضل بوجود اليابان الفخورة بنفسها والحازمة والقوية، لكن ليس اليابان التي تختار القتال مع شركاء أميركا المهمين الأخرين في المنطقة من دون مسوغات لذلك.
