يحرز الثوار السوريون بعض التقدم على الأرض، ولكن مع ذلك يمكن القول إن السوريين يواجهون حالة جمود سياسية وعسكرية، وقد تعثرت الهجمات التي شنها الثوار على حلب ودمشق، ولكن القوات النظامية ليست لديها من القوة ما يجعلها تخرجهم من الجيوب التي سيطروا عليها بالفعل. وفي شمال سوريا بصفة خاصة، يشق الثوار طريقهم في الريف المحيط بحماة وإدلب وحلب، ولكن تقدمهم لا يزال بطيئا.
مصير الأقليات
لقد تحولت الثورة السورية إلى حرب أهلية، وانتفاضة الشعب السوري على الدولة البوليسية القاسية التي بدأت في مارس 2011، تبدو بصورة متزايدة للعلويين والأقليات الأخرى كما لو كانت حملة تشن ضدهم، وأبناء هذه الطوائف يتابعون الصور التي تبث عبر اليوتيوب لضباط علويين يجري قطع رقابهم، ويتساءلون عن المصير الذي ينتظرهم إذا مني الرئيس السوري بشار الأسد بالهزيمة.
وفوق هذا، هناك خوف من الفوضى من جانب أبناء الطبقة المتوسطة من سكان الحضر السوريين، الذين شاهدوا حلب وهي تتعرض للدمار والسلب والنهب، ويعتقدون أن الشيء نفسه سوف يحدث في دمشق.
ولدى وصولي إلى العاصمة السورية أخيرا، سألت صديقا لي عن المناخ النفسي السائد هناك، فقال: «15% يؤيدون الحكومة و15% يعارضونها، و70% يريدون لهذه الحرب أن تنتهي قبل أن تقضي علينا جميعا».
هل يمكن كسر الجمود الراهن؟ لا يبدو أن الأمر يتجه حقا إلى ذلك، ما لم يتلق الثوار السوريون دفعات كبيرة من الأموال والتدريب والأسلحة. وهذا لن يترتب عليه تأثير حاسم بشكل فوري. وفي المقابل، فإن واشنطن ولندن قد علقتا الآمال طويلا على انقسام في القيادة السورية، ولكن هذا لم يحدث، بل إن سلسلة من عمليات الانشقاق التي أجيد الإعلان عنها في الأسابيع الماضية، لم تنبثق من قلب النظام.
سياسة الفظائع
وفي غضون ذلك، فإن أعمال العنف النابعة من الحرب الأهلية تزداد ضراوة، وقد وصلت الحرب منذ وقت طويل إلى المرحلة التي اعتدنا تسميتها في إيرلندا الشمالية:" سياسة الفظائع الأخيرة"، والتي في إطارها يراق الكثير من الدم للسماح بإجراء مفاوضات والتوصل إلى حل وسط.
وتبدو سياسة الولايات المتحدة وحلفائها محيرة بصورة متزايدة، فهم من ناحية يعترفون بالائتلاف الوطني المعارض باعتباره الحكومة الشرعية لسوريا، ولكنهم من ناحية أخرى يصفون قوة مقاتليها الأكثر فعالية، وهي جبهة النصرة، بأنها «منظمة إرهابية» ترتبط بتنظيم القاعدة. تماما كما كانت الحال في العراق بعد عام 2003، فإن سوريا أصبحت بمثابة مغناطيس يجتذب العناصر الجهادية من مختلف العالم الإسلامي، وواشنطن تبدي حماسا متراجعا لتحقيق انتصار عسكري مباشر للثوار السوريين من شأنه أن يقوي العناصر المتشددة ويؤدي إلى حل آلية الحكم الخاصة بالدولة السورية.
وتتمثل المشكلة بالنسبة لسوريا في هذه الأزمة في أن كثيرا من الصراعات تندرج في صراع واحد، ويؤكد المؤيدون العلمانيون للثورة أنها تدور حول «الشعب ضد النظام»، وهم يقللون من شأن طبيعتها الطائفية، ويقولون إن الحكومة تبالغ في هذا وتتلاعب به. ولكن النزعة الطائفية والديمقراطية تتداخلان في سوريا على نحو ما سبق لهما أن تداخلتا في العراق. وفي العراق كانت الانتخابات الحرة تعني حلول حكم الأغلبية الشيعية محل الحكم السني. أما في سوريا، فإنها تعني الحكم من قبل 70% من جانب السكان السنة، والذين سيحل حكمهم محل حكم العلويين وحلفائهم. وفي البلدين كليهما، فإن التغيير الديمقراطي ترتب أو سيرتب عليه عواقب طائفية متفجرة، إن حكم الأغلبية يعني تغييرا في الجماعة التي تمسك بزمام السلطة.
ويزداد تعقيد الأزمة السورية وصعوبة حلها بكونها تقع في قلب صراعات إقليمية امتدت طويلا. وهذه الصراعات هي المواجهات المتفاقمة بين السنة والشيعة على امتداد العالم الإسلامي. وثانيا الصراع الإقليمي في المنطقة.
من الصعب تبين الكيفية التي سيتم بها كسر الجمود الراهن في سوريا، فدمشق وحلب وحمص تعطي الشعور بالشبه ببيروت خلال الحرب الأهلية اللبنانية التي دامت 15 عاما، وتتشبث أجزاء من هذه المدن بالحياة العادية، بينما على بعد جبهات قليلة، يكمن القناصة في مخابئهم في المباني التي دمرتها نيران المدفعية، وليس لدى أي من الجانبين القوة لإخراج الجانب الآخر من ساحة الصراع، وقد اصبح زعماء الحرب الصغار والكبار على حد سواء الحكام الحقيقيين للبلاد.
وفي حلب التي تعد القلب التجاري لسوريا، فإن الاهتمام الرئيسي للثوار حسب ما تشير إليه بعض الدوائر هو نهب المدينة، وعسكرة الانتفاضة تتدنى بهدفها الديمقراطي الأصلي. وفي غياب تدخل خارجي على نطاق شامل، فإن التسوية التي يتم التوصل إليها عن طريق التفاوض تصبح شيئا حتميا، وذلك برغم أنها ستستغرق وقتا طويلا قبل التوصل إليها.
والفارق في المفاهيم خارج دمشق وداخلها، يتم تفسيره في أحد جوانبه في الطريقة التي تصف فيها وسائل الإعلام العالمية الحرب، فهناك عدد محدود من الصحافيين الأجانب في العاصمة السورية لأنه يتعذر الحصول على سمات دخول. في المقابل، فإن الثوار لديهم تغطيات إعلامية متقدمة تتم كذلك عبر بعثات تتمركز خارج سوريا غالبا. وتستند إلى صور مرسلة عبر اليوتيوب.
مهمة مستحيلة
التغطية الإعلامية للحرب الأهلية في سوريا تكاد تصبح مهمة مستحيلة، فعلى سبيل المثال، فإن الانتقال عبر المسافة القصيرة الفاصلة بين دمشق وبيروت بالسيارة يشبه الانتقال من كوكب إلى آخر، وما يبدو جليا وأقرب إلى طبائع الأشياء في العاصمة السورية، يصبح محل جدل ووجهة نظر أقلية على الجانب اللبناني من الحدود. وخارج سوريا كانت هناك توقعات إعلامية ودبلوماسية متكررة لانتصار فوري للثوار وهزيمة للرئيس السوري بشار الأسد، ويتم في إطار هذا التكهن تجاهل حقيقة مهمة مفادها أن قوات الأسد لا تزال تتشبث كلية أو إلى درجة كبيرة بالمدن والبلدات الرئيسية في سوريا.
