مع الزيارات الدبلوماسية ذات المستوى الرفيع إلى موسكو وعناوين الأخبار التي تصاحبها، فإن المراقب العابر قد يخلص بسهولة إلى أن روسيا تمسك بمفتاح حسم الأزمة السورية، ولكن كما أوضحت الجولة الأخيرة للمحادثات الفاشلة التي أجريت هذه المرة بين وزير الخارجية الروسي سيرجاي لافروف والمبعوث العربي والدولي إلى سوريا الأخضر الإبراهيمي، فإن روسيا لن تكون جزءا من الحل فيما يتعلق بسوريا.
وقد أوضح مسؤولون روس كبار هذا على امتداد أشهر عدة، ولكن بعض اعضاء المجمع الدولي لن يصدقوا ذلك، ربما حتى وقت قريب.
صلات روسية
كل هذا الخلط يمكن أن يكون نابعا من الحديث المتكرر عن الصلات التي تربط روسيا بالرئيس السوري بشار الأسد. أي الصلات العسكرية وتلك المتعلقة بتقاسم معلومات المخابرات وما إلى ذلك. ومن المؤكد أن هذه العوامل تلعب دورا ما في النهج الذي تتبعه سوريا، ولكنها لا تفسر ممارسة الكرملين لحق النقض ثلاث مرات في مجلس الأمن الدولي، وذلك في تجاهل لبيان جنيف الداعي إلى نقل سلمي للسلطة، وفي تجنب صريح لدعوة الأسد إلى التنحي عن منصبه. وموسكو لم تقم بهذه الخطوات بسبب مصالحها في سوريا أو لأنها تؤيد الأسد، بل إن الرئيس الروسي آنذاك ديمتري ميدفيديف حذر في وقت مبكر من صيف 2011، الرئيس الأسد من أنه إذا لم يقم بإصلاحات فورية فإن:" مصيرا حزينا ينتظره".
اختلاف جذري
وقد أبرزت المأساة في سوريا إلى السطح الاختلاف الجذري بين المنهج الروسي حيال التدخل الدولي، وبين نهج الكثير من باقي أعضاء المجتمع الدولي وبصفة خاصة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. فموسكو لا تعتقد أن مجلس الأمن ينبغي أن يقوم بتأييد إزاحة حكومة تتولى مقاليد السلطة.
ويعتقد الكثيرون في مؤسسة السياسة الخارجية الروسية أن سلسلة عمليات التدخل بقيادة الولايات المتحدة التي أسفرت عن تغيير النظام منذ نهاية الحرب الباردة في كوسوفو، أفغانستان ، العراق وليبيا هي تهديد لاستقرار النظام الدولي، وربما ل"استقرار النظام" في روسيا نفسها. وروسيا لم تبد موافقتها على هذه التدخلات ، ولن تقوم بذلك إذا كانت تشك في أن الدافع هو إزاحة حكومة تتولى مقاليد السلطة.
والمفهوم القائل بأن روسيا تمكنت بالفعل أن تكون هدفا لمثل هذا التدخل ربما يبدو مفهوما عبثيا في واشنطن، ولكن الشك في تدخلات أميركية محتملة مستقبلا يضرب جذوره بعمق في روسيا ، ومن هنا فإن موسكو تستخدم ما يتوفر لها من قوة لتشكيل النظام الدولي، وبصفة خاصة مقعدها الدائم في مجلس الأمن لتجنب إيجاد سابقة خطيرة يمكن بالفعل أن تستخدم ضدها.
وفي حالة سوريا ، فإن موسكو لا يمكن إقناعها بأن دوافع الولايات المتحدة تنبع من الكارثة الإنسانية التي أوجدها الأسد، وبدلا من ذلك فإن الكرملين يرى حقائق جيوسياسية رهيبة تتفاعل مع تحرك واشنطن للتخلص من حكومة ناقضت سياستها الخارجية طويلا المصالح الأميركية.
أولوية أميركية
وهكذا ، فإنه عندما أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما في 18 أغسطس 2011، أن الوقت قد حان لتنحي الرئيس الأسد، جعل من تغيير النظام أولوية أميركية رسمية ، فإن النافذة المطلة على أرضية مشتركة مع روسيا في الأمم المتحدة قد أغلقت. وكانت الحقيقة القائلة أن نصوص الفقرات المقترحة لم تعكس هذه الأولوية بلا أهمية في ضوء ما اعتبرته موسكو الهدف المطلق لواشنطن لما أعلنت عنه صراحة. إذا كانت هناك نتيجة واحدة ملموسة لكل الدبلوماسية الأخيرة، فهي تمكين موسكو، وقد يمكن لهذا أن يكون شيئا عابرا، ولكن في غضون ذلك فإنه يتعين بذل وقت وطاقة المجتمع الدولي بشكل أفضل على الجهود التي يمكن أن تسفر عن التوصل إلى حسم في سوريا.
محاولات فاشلة
حاول كثيرون تغيير سياسة روسيا حيال سوريا، وكللت كل هذه المحاولات بالفشل. هكذا إذا، فإذا كانت روسيا لا يمكن أن تكون جزءا من حل يمر عبر مجلس الأمن ، فلماذا يهدر المجتمع الدولي كل هذا الوقت في محاولة اجتذاب كبار المسؤولين الروس فيما يتعقل بسوريا؟ يقول البعض إن روسيا يمكنها إذا اختارت ذلك أن تضغط على الأسد فتجعله يقدم التنازلات الضرورية لتسوية يتم التوصل إليها عبر التفاوض، وربما كان لروسيا مثل هذا التأثير على الأسد قبل عام ونيف مضيا، أما الآن فهو منغمس في قتال من أجل البقاء وليس هناك مبرر وجيه للقول بأنه يمكن أن يستجيب لإنذار من موسكو. ولما كان مثل هذا الانذار الافتراضي سيشمل في الحد الأدنى الرحيل الفوري للأسد عن سوريا، لأن ذلك يمثل الطريق الأوحد لجلوس المعارضة إلى المائدة، فإنه يظل إنذارا افتراضيا.
