يتسم وزير المالية الألماني وولفغانغ شوبليه بطريقة فذة في تضليل مستمعيه بسيل من الكلمات المشوشة، فعندما سئل عما إذا كانت خطة إنقاذ اليونان ستكلف مزيدا من المال، أجاب: "ليس بالضرورة" مضيفا إنه يوجد فقط "مزيد من الشروط المالية في الجدول الزمني".
وقصة مماثلة بتجميل إضافي من ذخيرة اقتباسات شوبيليه قد تحدث قريبا، كما يرغب الوزير في الزعم: "ألمانيا من الواضح أنها رابحة من اليورو".
لكن إذا كان ما يكتبه فريقه في الفترة الأخيرة صحيحا، فان الألمان سرعان ما سيجدون مكاسبهم المفترضة وقد تحولت إلى خسائر، والحكومة في برلين تعيش حقيقة مزدوجة، ذلك أن الاستراتيجيين في أحزاب ائتلاف اليمين الوسط يخططون لزيادة المنافع للعائلات والمتقاعدين والعاطلين عن العمل في محاولة لخطب ود الناخبين في الانتخابات المقبلة.
سيناريو مختلف
وعلى النقيض من ذلك، وبسبب التباطؤ الاقتصادي، فإن الخبراء في وزارة شوبليه يتوقعون سيناريو مختلفاً تماما: الحكومة المقبلة لن تكون قادرة على زيادة الإنفاق، بل سيترتب عليها فرض قيود كثيرة عليه.
واستنادا إلى التوصيات التي تقدم بها فريق شوبليه، في سبيل إعداد نفسه لتبعات ازمه اليورو، سيتعين على ألمانيا فرض زيادة كبيرة في الضرائب واقتطاعات مؤلمة في الخدمات الاجتماعية على امتداد السنوات المقبلة.
وهذه الأفكار لا تلائم المناخ السياسي الحالي في ألمانيا، الذي تميز أخيرا بسجال عاطفي حول كيفية استخدام الأموال الإضافية لمحاربة الفقر بين المسنين وتحسين سبل حياة صغار الكسبة. ومع ذلك، فإن شوبليه يشعر أن توقعات خبرائه واقعية، ولقد وافق علنا على مقترحاتهم وأمرهم بمواصلة العمل على برنامج لخفض التكلفة.
وفي الوقت نفسه، أمر بالسرية التامة في سبيل تجنب أي تأثيرات وخيمة على حملات حزبه في الانتخابات على مستوى الأقاليم هذا الشهر والانتخابات العامة في خريف 2013.
ويواجه الألمان ما سبق أن واجهوه من قبل، عندما أدخل المستشار الألماني السابق غيرهارد شرويدر إصلاحات "أجندة 2012" الراديكالية والفاقدة للشعبية بخصوص سوق العمل ونظام الرعاية. واستنادا إلى فريق شوبليه، قد تكون هناك حاجة هذه المرة إلى المزيد من الاقتطاعات.
وما أدرجه مسؤولو وزارة المالية تحت مسمى "آفاق الميزانية متوسطة الأجل للحكومة الفيدرالية" الذي يبدو في الظاهر غير ضار، لا يقل عن كونه البرنامج التقشفي الأكثر شمولا في تاريخ ألمانيا ما بعد فترة الحرب.
وفي سبيل تفادي دفع الحكومة لتكبد ديون إضافية، فإن المسؤولين يتفحصون سياسات الدعم والاستحقاقات ومنافع الرعاية الاجتماعية بقيمة عشرات المليارات من اليورو. وهناك أيضا خطط لزيادة الضرائب. وهذه المقترحات تعمل على تضييق الحكم المنصوص عليه في الدستور أخيرا والداعي إلى "الحفاظ على ميزانية متوازنة تقريبا" بدءا من عام 2016.
والحكومة ستكون قادرة مع ذلك على الحصول على قروض بحدود معينة. في عام 2016، على سبيل المثال، سيسمح لها باستدانة حوالي 10 مليارات يورو. لكن شوبليه وطاقمه يقولون إن ألمانيا لا ينبغي أن تستنزف كليا نطاق الاستدانة، ويريدون أيضا إيجاد "واق للسلامة"، استعدادا لانفاق هيكلي غير متوقع، وتطور في الإيرادات.
مخاوف اقتصادية
وأحد الأمثلة التي يستشهدون بها "التراجع الاقتصادي الحاد". إذا انهار الاقتصاد، كما حصل في أعقاب الأزمة المالية في عام 2009، فإن الخبرة تفيد بأن الخزينة العامة ستصبح تحت ضغوط هائلة، وهذا يمكن أن يكون له تأثير مدمر على ماليات الدولة. وبعد الركود الأخير، فان الدين الحكومي ازداد بقوة من 65% إلى حوالي 83% من الناتج المحلي الإجمالي. وخبراء شوبليه يقولون إن البلاد لا يمكنها تحمل زيادة مماثلة في الدين العام.
وما جعل الأمور اكثر سوءا قول مسؤولي وزارة المالية إنه من الممكن أن يطلب من برلين استيعاب تكاليف إنقاذ مصارفها. في ذروة الأزمة المالية، دعمت الحكومة الألمانية المؤسسات المالية المريضة بحوالي 180 مليار يورو. لكن من المشكوك فيه أن تتمكن هذه المصارف يوما ما من إعادة تلك الأموال بالكامل. وإذا صح هذا التوقع، فان الحكومة الفيدرالية سيكون عليها التنازل عن مطالبتها بالديون وأن تمتص هذه الديون بشكل دائم.
ويتنبأ فريق شوبليه باحتمال تطور مماثل في خطة إنقاذ اليورو, وبالطبع، كان "التخلف عن الدفع الذي لا رجعة فيه في آلية الاستقرار الأوروبي" احد الأسباب التي أدرجوها في خططهم الطارئة.
وائتلاف يمين الوسط الحالي تجاهل تحذيرات المعارضة، ودفع ببدل رعاية بالأطفال مرتفع التكلفة، ستخصص له الميزانية بدءا من منتصف 2014 مليار يورو في السنة، والخزينة العامة تفقد كل سنة 1.8 مليار يورو لان الحزب الديمقراطي الحر نجح في الضغط من أجل تبني قانون يلغي بدل المشاركة في أجرة زيارة الطبيب بقيمة 10 يورو كل ربع سنة.
ومثال عن الإنفاق العام الجزيل خلال الولاية الحالية للائتلاف ربما كان تخفيض الضريبة على أصحاب الفنادق، الذي يكلف الحكومة حوالي مليار يورو في السنة. فلا عجب أن تتهم المعارضة شوبليه بالفشل.
يقول أحد الخبراء الماليين: "الإيرادات المتزايدة من الانتعاش الاقتصادي لم تستخدم بالكامل لتخفيض الإنفاق في العجز" ويضيف: "هذه الحكومة تطالب بإجراءات تقشف قاسية من الدول الأوروبية الأخرى فيما هي تنفق بسخاء من إيراداتها الضريبية".
وباختصار شديد، ستبدأ ألمانيا بإخضاع نفسها لانضباط مالي حديدي قريبا.
تقشف مقبل
تدعم ألمانيا حاليا آلية الاستقرار الأوروبي بما لا يقل عن 19 مليار يورو. وجزء من الضمانات والقروض يمكن أن يضيع إذا سامح دائنو الحكومة اليونانية عن بعض ديون البلاد. والخسائر للخزينة الألمانية قد تصل بسهولة من جراء ذلك إلى عشرات مليارات اليورو.
وسيترتب على وزير المالية المقبل لألمانيا التعويض عما عجز وزير مالية ألمانيا الحالي وولفغانغ شوبليه عن تحقيقه. فوزير ميركل أجبر نصف أوروبا على الخضوع لإجراءات من التقشف، فيما كان الألمان ينفقون الأموال في الداخل من دون صعوبة.
