أجرت مجلة «تايم» الأميركية مقابلة مع الرئيس الأميركي باراك أوباما أخيرا، تحدث فيها عن رؤيته السياسية محلياً ودولياً، فأعرب عن اعتقاده بأن الشرق الأوسط سيمضي في توجهه نحو الاندماج الاقتصادي بالعالم والسوق المفتوحة، مشيراً إلى تبعات جيوسياسية هائلة ستواكب تحول أميركا إلى مصدر صاف للطاقة بسبب التكنولوجيات الحديثة. وأكد أن وجود الصين في حالة استقرار وانفتاح وديمقراطية هو أمر مفيد لأميركا.
أما على الصعيد المحلي، فأكد على أهمية الأنظمة في القطاع المالي ورغبته في أن يذكر لإرثه في التخلص من القضايا التي تعيق النمو وتدفع بمصلحة كثير من الأميركيين، وليس قلة في أعلى الهرم.
أما بالنسبة لإعادة انتخابه، فقد أشار إلى أنه على عكس ما ظنه الناس، فإن نتائج انتخابات عام 2012 برهنت على أن انتخابه عام 2008 لم يكن حدثا استثنائيا.
وفي ما يلي نص الحوار:
إذا نظرت خارج حدود الولايات المتحدة، فما هي الأماكن التي تثير القلق لديك وتأمل أن تجعلها أماكن أفضل للعيش بعد أربع سنوات؟
نحن نساعد في تشكيل وتأطير ما ستبدو عليه منطقة آسيا - المحيط الهادئ في المستقبل، وهذا الأمر غاية في الأهمية لأن النمو والسكان ومركز الثقل، كل هذه الأمور ستكون موجودة في تلك المنطقة بشكل متزايد في المستقبل. وهناك رغبة حقيقية لقيادة أميركية في تلك المنطقة. وهذه القيادة يجب أن تكون عبارة عن قيادة تقر بأن الصين ماضية في الصعود والنمو، ويتعين علينا أن نأمل أن تحقق الصين النجاح. فوجود الصين في حالة استقرار مع انتقالها تدريجيا إلى مجتمع اكثر انفتاحا وديمقراطية، سيكون مفيداً بالنسبة لنا اقتصاديا وسياسيا، ومن وجهة النظر الأمنية. وينطبق الأمر نفسه على الهند.
إرث أوباما
لو كنا جالسين هنا بعد أربع سنوات من اليوم، فيما أنت تنظر إلى الوراء على الإرث الذي تركته كرئيس ديمقراطي فاز بولايتين، فما تريد أن يقوله الناس حول الفترة التي قضيتها رئيسا؟
أفكر في مشروع السنوات الثماني كأنه مشروع واحد، نكون قد تخلصنا من بعض المشكلات القائمة على الصعيد المحلي والتي تعيق نمونا في مجال التعليم، والطاقة، وحول مواضيع السياسة الضريبية والتصنيع والبحوث والعلوم، وأعدنا تأكيد الفكرة القائلة إنك إذا عملت جاهدا في هذه البلاد، يمكنك أن تبني نفسك، واستوعبنا أيضا كل المتغيرات الديمغرافية، والتحولات الثقافية والتكنولوجية التي تجري، وتمكنا من مزاوجتها مع بعض الفضائل القديمة المتعلقة بالعمل الجاد والانضباط والمسؤولية، وذلك بطريقة تسمح لكثيرين بالنجاح والازدهار، وليس فقط لقلة في أعلى الهرم.
أظهرت استطلاعات الرأي بعد الانتخابات مباشرة عند المقارنة بين عامي 2012 و2008، تراجعا طفيفا في عدد الذين يعتقدون بأن الحكومة ينبغي أن تقدم المزيد، مقابل عدد الذين يعتقدون أن الحكومة تقدم الكثير بالفعل. فكيف تفسر هذا الأمر؟
حسنا. أنا لا أدعم فكرة قيام الحكومة بتقديم المزيد، بل أدافع عن قيام الحكومة بتقديم المزيد من الشيء الصحيح. لذلك، فأنا لم اكن أجادل من أجل المزيد من الإنفاق الحكومي في حد ذاته. واعتقد أنه من المنطقي بالنسبة لنا أن ننفق أقل على الحروب واكثر على البحوث والتطوير. وفي قطاعات مثل الطاقة، لم أدعم المزيد من الإنفاق بحد ذاته، بل كنت أجادل بأنه لا جدوى بالنسبة لنا من إنفاق 4 مليارات دولار على دعم صناعة النفط التي هي كاملة النمو وشديدة الربحية، وانه يفترض بنا عوضا عن ذلك استخدام تلك الأموال لتمويل الطاقة النظيفة الخاصة بالمستقبل.
وفي السنوات القليلة الماضية، استغرق منا وقتا طويلا جعل كل وكالة من وكالات الدولة تعود لتلقي نظرة على الأنظمة الموجودة في دفاترها. وإذا كانت هذ الأنظمة لا تعمل، فدعونا إلى التخلص منها. وأخذا في الاعتبار العلوم والمعارف الأفضل التي أصبحت بحوزتنا الآن، فإنه في المقابل قد تكون هناك بعض الأنظمة الجديدة التي لها معنى. وبالتأكيد، في ما يتعلق بصناعة القطاع المالي أو قطاع الرعاية الصحية، أعتقد أننا تعلمنا درسا من عامي 2007 و2008 مفاده أن نقصا في الأنظمة الذكية يمكن أن يكون مضرا تماما كما كثرة الأنظمة.
حشدت مجموعة من الناس لمشاهدة فيلم «لينكولن». وكنت أتساءل عن شعورك أثناء مشاهدتك لهذا الفيلم.
جانب مما يعلمنا إياه الرئيس الأميركي الأسبق إبراهام لينكولن يتمثل في معرفة أنه من أجل السعي وراء المثاليات العليا ووراء قضية أخلاقية بالعمق، فإن هذا الأمر يحتاج منك الانغماس وتلطيخ يديك بالقذارة. وهناك مقايضات ومساومات. وما جعل لينكولن شخصا رائعا ورئيسا استثنائيا أيضا قدراته على موازنة الفكرة القائلة إن هناك بعض الحقائق السرمدية ترافق حقيقة أننا نعيش هنا والآن في المكان والزمان اللذين يتسمان بالفوضى والصعوبة. وكل ما نفعله سيكون ناقصا بشكل ما، وبالتالي، فإن ما نحاول القيام به هو مجرد تصويب الاتجاه.
التحالف المسيطر
خلال إعادة انتخابك لولاية ثانية، أوجدت نوعا جديدا من التحالف الانتخابي المسيطر. إلى متى سيدوم هذا الأمر؟
أعتقد أن بعض الناس ظنوا أن عام 2008 كانت حالة شاذة، وأن الجميع كان متحمساً لفكرة الرئيس الأميركي الإفريقي الأول، وما إن تخبو مشاعر الإثارة تلك حتى نعود بطريقة ما إلى نماذج التصويت السابقة. وهذا الأمر ثبت أنه ليس صحيحا.
ومع كل الانقسامات التي يستفاد منها في سياساتنا، وكثير من هذه الانقسامات حاد وحقيقي، تبقى الحقيقة القائلة إننا أصبحنا بشكل ثابت بلداً أكثر تنوعاً وتسامحاً يحتضن الاختلافات بين الناس ويحترم الذين ليسوا مثلنا. وهذا يعد أمرا جيداً بالعمق، وهو جزء مما سيجعل أميركا زعيمة مستمرة في القرن الواحد والعشرين، فالعالم ينكمش، وأحد أعظم مكامن قوتنا يتمثل في واقع انه يوجد أناس من كل أنحاء العالم يرغبون في المجيء إلى هنا لانهم يدركون أن أميركا مجتمع منفتح، وأنه سيجري تقييمهم بناء على مواهبهم ومهاراتهم أكثر مما على التزاماتهم بمثاليات أو عقائد، وبغض النظر عن القبيلة التي يأتون منها أو من يعبدون. وينبغي أن نكون ممتنين لذلك.
ماذا حصل للرئيس في المناظرة الأولى؟
تحول المناظرة الأولى إلى هذا النوع من الأسطورة في أذهان النقاد السياسيين، يعود في جانب منه إلى عدم وقوعنا في الفوضى كثيرا هذه المرة. كانت الحملة مدارة جيدا بالفعل، ولم نرتكب الكثير من الأخطاء، لكن جزءا منها كان له علاقة أيضا بواقع أن الظهور بمظهر محدد لم يكن من مكامن القوة لدي على الدوام. وانا لا اتبع في معظم تفاعلي مع الناس نهجا يحاول إهانتهم أو إظهار مدى سخافتهم. فهكذا تسجل النقاط في تلك الأوضاع، إنه بناء مصطنع كالمسرح.
لكن فحوى الكلام يتمثل في أنني لم أتواصل بشكل ناجح مع الشعب الأميركي في تلك المناظرة حول ما هو مطروح على المحك، لذا كان مهما بالنسبة لي أن أذكر نفسي أنه بقدر ما يبدو هذا المظهر مصطنعاً، فإنه عندما يكون أمامي 60 إلى 70 مليون مشاهد يتابعون ما أقوم به، يجب أن أكون متأكدا من أنهم أدركوا المخاطر المحدقة بالبلاد. فهل نحن راضون عن تحول أميركا نحو المزيد من انعدام المساواة، حيث يؤدي مزيج من العولمة والتكنولوجيا إلى انقسام يزداد اتساعاً بين قلة من الناس يحققون نجاحا وأغلبية ترى مستقبلها في تراجع؟ هل نؤمن بأميركا التي تقول إن بعض الناس أميركيون أكثر من غيرهم أو اكثر جدارة أو افضل قيمة من غيرهم، أم نؤمن بأميركا حيث إعلان الاستقلال يقصد ما يقوله: «نحن نعتبر هذه الحقائق بديهية، بان كل الناس يخلقون متساوين»؟
وفي السياسة الخارجية، هل نؤمن بهذا النوع من الدولة الحامية في أن تكون قيادتنا مستندة إلى التهديد والاستئساد على بلدان أخرى للخنوع لإرادتنا، أم نعتقد أن قيادتنا تقودها قيمنا ومثالياتنا في جانب منها؟
لذا ظهرت مجموعة من الأسئلة المطروحة التي هي مبتذلة وسخيفة ومحبطة ومضحكة بقدر ما قد تبدو الحملة أحيانا، والشعب الأميركي اتخذ قراره.
