فورة من النشاط الدبلوماسي في عاصمتي باكستان وأفغانستان وغيرها من العواصم تثير الآمال في أن هناك مجالا لجلب طالبان الأفغانية إلى مائدة مباحثات السلام، ويبدو أن سنوات من المناورة والعبارات الدبلوماسية المبتذلة قد أتاحت المجال أخيرا لشيء واعد. وفي مارس الماضي، انهار الجهد الذي بذلته دولة قطر للبدء بحوار بين الولايات المتحدة وطالبان قبل أن يبدأ. لكن برز الآن فجأة تفاؤل جديد.

والإشارة الأولى إلى التغيير جاءت في نوفمبر الماضي مع إطلاق باكستان سراح 18 سجيناً من ذوي الرتب الدنيا في حركة طالبان، وذلك لتشجيع المتمردين الأفغان فيما يبدو للانضمام إلى المباحثات. ويبدو أن السلطات في إسلام أباد وكابول وواشنطن ولندن جميعها ترغب في ذلك.

التقارب مع باكستان

وباكستان تعد مركزية في التطورات في أفغانستان لأن المتمردين يستخدمون مناطقها الحدودية كملاجئ لهم، وزعماء طالبان وحليفهم شبكة حقاني، تحصنوا في باكستان منذ أن هربوا من أفغانستان في عام 2001.

وما يثير القدر نفسه من الدهشة هي البراهين التي تدل على أن الأجانب يغيرون وجهة نظرهم تجاه باكستان. فلسنوات عدة، كانت قوى التحالف بقيادة أميركا داخل أفغانستان، وحكومة الرئيس حامد قرضاي في كابول، ينظرون إلى باكستان كعدوة تقريبا. أما المسؤولون في إسلام أباد، فقد جادلوا مطولا بأن حرب أفغانستان لن تنتهي طالما لم يجر استيعاب طالبان سياسيا. لكن الأميركيين فضلوا اللحاق بالنصر العسكري، وإلقاء اللوم عن الفشل على ملاجئ المتمردين في باكستان.

والأن، بدأت تتحسن روابط أميركا مع باكستان، في الوقت الذي أصبح هناك استعداد خارجي لإعطاء إسلام أباد فرصة لتعزيز إطار اتفاق مع طالبان. والعلاقات بين الحكومتين الباكستانية والأفغانية تتحسن هي أيضا، حتى أن محاولة الاغتيال الأخيرة لرئيس الاستخبارات في أفغانستان، التي قال المسؤولون في كابول إن منفذها أتى من باكستان، لم يسمح لها بتوتير العلاقات.

العد العكسي

والأذهان يجري تركيزها الآن نتيجة للموعد النهائي الذي يلوح في الأفق لإنهاء قوات التحالف عملياتها القتالية في أفغانستان عام 2014. وفي أعقاب ذلك، فإن النتيجة الأكثر ترجيحا هي دولة ضعيفة باقتصاد مترد، وحكومة فاسدة، وانقسامات عرقية حادة، وجيش بقوة محدودة. ولا توجد حكومة تريد فوضى كلية، أو حربا أهلية، ولهذا يزداد هذا الاندفاع للتعاون.

لنأخذ، على سبيل المثال، الخطة التي رسمها المجلس الأعلى للسلام التابع للرئيس الأفغاني حامد قرضاي، وهو الكيان الذي من المفترض أن يعمل على حمل المتمردين على التفاوض. فالخطة تحدد كيف يفترض بباكستان "تسهيل الاتصال المباشر" بين الأحزاب المتحاربة. و"خريطة الطريق لعملية السلام حتى عام 2015" تتوقع مفاوضات في نهاية السنة المقبلة بين الحكومة الأفغانية وطالبان.

وتقترح بإلحاح أيضا وجوب قيام طالبان بتقاسم السلطة من خلال الحصول على "مناصب غير منتخبة"، مثل حكام المقاطعات ومناصب إقليمية أخرى. وتأثير ذلك نظريا، يتمثل في التنازل عن السيطرة على جنوب أفغانستان وشرقها. وطالبان بإمكانها أيضا الحصول على مناصب وزارية في كابول من دون الفوز بأية انتخابات.

ويقول مسؤول باكستاني إن حكومته ستحاول إقناع طالبان، إلا أنها "لا تستطيع أن تجبرها" على التفاوض، ويضيف: "يفترض إقناعهم من قبل الجانب الأفغاني" مشيراً إلى أن تأثير باكستان على المتمردين مبالغ فيه. وهي ستضغط أيضا من أجل وقف لإطلاق النار قبل المباحثات.

ومن جهتها، تقول طالبان إنها تريد مباحثات مباشرة مع أميركا فقط، مطلقة على حكومة قرضاي تسمية "الدمية". وقال المتحدث باسم طالبان، ذبيح الله مجاهد، لمجلة "إيكونوميست" أخيرا: "إن مشكلتنا هي مع أميركا، ولا نرى دورا لأي دولة أخرى".

لكن الحركة مع ذلك تواقة للحصول على الاحترام الدولي، وهي تعي أنها تفتقر إلى القوة العسكرية اللازمة لتفرض حكمها على أفغانستان، حتى في مرحلة ما بعد عام 2014. وفي هذا السياق قال مجاهد إن جماعته ترغب في المشاركة من أجل: "عرض مطالبنا للعالم، وشرح سياساتنا ومشاركة مشاعرنا مع الوفود في المؤتمرات"، بما في ذلك مع خصوم طالبان القدامى، التحالف الشمالي.

أولوية أميركا

أما بالنسبة للأميركيين، فان الأولوية تكمن في دفع طالبان إلى قطع روابطها الفضفاضة مع تنظيم القاعدة. وهذا سيجعل المصالحة مع الجماعة الأفغانية أكثر قبولا، وربما يؤدي ذلك إلى تنازلات تتعلق بالدستور الأفغاني المكتوب على غرار دساتير الغرب. وما قد يلي ذلك هو محاولة انعاش مفاوضات قطر، وهذه المفاوضات قد تتضمن الموضوع المثير للجدل المتعلق بإطلاق سراح سجناء طالبان من خليج غوانتانامو. وحاليا، يبذل جهد لتغيير اللائحة السوداء للأمم المتحدة فيما يخص عناصر طالبان، وللسماح للمفاوضين في الحركة بالسفر والتنقل.

والنشاط الدبلوماسي المحموم يقوم في معظمه على الأمل. ويخشى بعض الشماليين الأفغان بشكل خاص من عملية مقايضة، كما سيكون داخل طالبان بعض القادة العسكريين الذين سيحتجون بالتأكيد. وعلى هذا الأساس، فإن الوعود بالتوصل إلى اتفاق قد تتحول بسهولة إلى مجرد ذرات غبار، لكن على أقل تقدير، يجري حاليا عملية استكشاف جدية لنهاية سياسية للحرب الدائرة في أفغانستان.