كان الصحافي الروسي إدوارد موخالوف يشارك في مؤتمر للصحافيين الروس الشبان في موسكو أخيرا. وموخالوف يختلف عن معظم المشاركين في المؤتمر، حيث أنه قضى معظم حياته العملية كمزارع على أرضه. ولا يزال يحتفظ بهيئة متوردة ويدين متشققتين قويتين لعامل يعمل خارج المنزل في المناخات الصعبة، وهو من جمهورية شوفاش التابعة لروسيا الاتحادية، التي تبعد حوالي 700 كيلومتر شرق موسكو.

فساد متفش

وقصة موخالوف أنه عندما قام اللصوص بسرقة بعض ماشيته، ذهب للاحتجاج لدى السلطات، ليجد نفسه، على أثر ذلك، وقد تم إيداعه السجن لمدة ثمانية شهور بناء على اتهامات جائرة. وغضبه على ما يعتبره نتاجا للفساد المتفشي ما وراء الكواليس قاده للاحتجاج صعودا في هرم السلطة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وأدى به إلى المثول وسط الساحة الحمراء وبيده لافتة تروي قصته. وفيما هو يسعى وراء العدالة، أهملت مزرعته.

وتحول إلى الصحافة، وهو يقول: "لم يعد أمامي من خيار آخر. فالإدارة بمجملها كانت فاسدة، ولم يكن هناك من شيء يمكن القيام به باستثناء محاربتها بالكلمات". منذ أربع سنوات، أسس موخالوف صحيفة وأطلق عليها اسم "فسياتكا"، التي تعني باللغة الروسية "الرشوة". وهي تصدر تقريبا كل شهر، وتمتلئ بتحقيقات واستنكارات حول الفساد في منطقته. وهو يطبع 20 ألف نسخة ويوزعها. والطلب حسبما يقول يفوق العرض إلى حد كبير.

وفي الجهة المقابلة، تعمل الإدارة المحلية وسماسرة السلطة على تجاهله، ويستمرون في عملهم كالمعتاد. وهذه الشكوى عبر عنها كثير من الصحافيين الشباب في المؤتمر، الذي يرون الازدراء والغطرسة الصامتة التي يجري التعامل بها مع فضائح المسؤولين الكبار. وليست لديهم أوهام حول أوضاعهم. وأغلبيتهم يعملون في المقاطعات الروسية، ويحاولون ممارسة الصحافة في المدن حيث هيكلية السلطة الرسمية والتابعة للشركات، تجتمع في الغالب في قمعها للصحافة ومعاقبتها للصحافيين الذين يخرجون عن الخط. ولقد وجدوا، كما هي حال مالوخوف، أنه عندما يتم نشر مقالات نقدية فاضحة، فإنه لا شيء يتغير.

ونتيجة لذلك، لا يزال الفساد مسيطرا. والفضيحة التي كان لها سبق الصدارة أخيرا تتعلق برئيس شركة "روستيليكوم"، ألكسندر بروفوتوروف، شركة الهاتف الرائدة التي تسيطر عليها الحكومة. ويجري التحقيق مع بروفوتوروف ومع آخرين حول دوره كشريك في شركة الأسهم الخاصة "مارشال كابيتال"، وتعثر إحدى الشركات التابعة لها على قرض قيمته 225 مليون دولار. وهذه القضايا معقدة ومحيرة وتستمر طويلا. وبوفوتوروف كان حليفا للرئيس فلاديمير بوتين، الذي أطلق السنة الماضية حملة مكافحة الفساد.

التفاوت الطبقي

ومن جهة المواطنين، فإن الفساد يثير مشاعر الاشمئزاز، الذي تعكسه الصحف الشعبية باستمرار من أمثال صحيفة "موكوفسكي كومسوموليتس"، إلى جانب عدد من المواقع الإلكترونية. وهناك قناعة راسخة الآن بأن الطبقات السياسية والشركات بنت لنفسها قلعة من الثراء والامتيازات المنيعة وراء جدران عالية لإبقاء الرعاع في الخارج. ويقول المحلل السياسي في المركز الليبرالي للتكنولوجيات السياسية، بوريس ماكارينكو، إن المزيد من الروس، مثل الصحافيين الشباب لا ينظرون إلى انفسهم بعد الآن كرعايا". ويرغبون في "أن تكون لهم مساهمة".

وتوجد أشياء كثيرة يفترض أن يساهم بها المواطنون الروس. ومركز أبحاث "إندم" في موسكو، الذي يديره النائب السابق للرئيس الروسي بوريس يلتسين، جورجي ساتاروف، يقدر أن الفساد يكلف البلاد 300 إلى 500 مليار دولار في السنة. ومع ناتج محلي إجمالي قدره 1.5 تريليون دولار، فإنه يوازي بناء على هذه التقديرات ثلث الاقتصاد. ولقد وصل هروب الرساميل أخيرا إلى 84 مليار دولار، ضعف معدل عام 2010، وما زال في ازدياد على ما يبدو.

والفساد الروسي كان وراء الخلاف الكبير بين روسيا وأميركا. فقد وقع الرئيس الأميركي باراك أوباما، أخيرا، على قانون ماغنتسكي، الذي سيحرم المسؤولين الروس الذين يعتقد أنهم على صلة بوفاة سيرجي ماغنتسكي العنيف في السجن من تأشيرات السفر، وماغنتسكي كان محامياً يلاحق التزوير الضريبي للمسؤولين في وزارة الداخلية وإدارة التفتيش الضريبي.

والمصرفي الاستثماري بيل براودر، رئيس الصندوق الاستثماري "هارميتاج كابيتال"، الذي كان له وجود كبير من السوق المالي الروسي فيما مضى ، وظف ماغنتسكي كمحامٍ للصندوق في الخارج. ولقد عمل براودر بلا كلل على قانون ماغنتسكي في أميركا وأوروبا، الأمر الذي أثار حفيظة الكرملين. ويحاول الدوما الآن تمرير قانون "ديما ياكوفليف" المسمى على اسم الطفل المتوفي المولود في روسيا والبالغ من العمر سنتين، والذي توفي عندما نسيه والده الأميركي بالتبني وتركه في سيارة مغلقة وسط الحر الخانق في عام 2008. ولقد برئ الرجل من تهمة القتل غير المتعمد في أميركا. ونتيجة لذلك، تغير قانون التبني في روسيا لإفساح المجال لمزيد من الإشراف من قبل السلطات، لكن القضية تبقى حية بما يكفي في الذاكرة الشعبية لتشكل دعوة لحشد الناس.

وفي خطاب حالة الأمة لبوتين أخيرا، تعهد الرئيس الروسي بمحاربة الفساد وإنهاء الانطباع المأخوذ عن النخبة "بانهم طبقة منعزلة". كذلك أشاد بالحضارة الروسية "الموحدة بالشعب واللغة والثقافة الروسية التي تجمعنا ولا تسمح لنا بالتفكك". لكن تفسخ روسيا لن يأتي من مخططات النفاق الغربي الإمبريالي، كما يدعي بوتين، وإنما من التحديات الخاصة بالبلاد، والمتمثلة بانكماش سكاني، ومدن ملوثة، وبنى تحتية منهارة، وتفاوت اجتماعي هائل، وفساد متفشٍّ في كل مكان.