يصعب اضمحلال العادات المغروسة بالخوف، بل يمكن تعلمها بسرعة من جديد، وهذا درس من الدروس التي يعلمنا إياها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وكنت خلال تجوالي عبر روسيا بعد تفكك الاتحاد السوفييتي مباشرة، قد احتفظت في جيبي بنسخة عن الاتفاقية الأميركية- الروسية التي أتاحت حرية التنقل بين البلدين.

وفي كل مرة كنت أقود سيارتي على الطرقات السريعة، التي كان يحظر ارتيادها حتى وقت قريب، مع لوحة رخصة لا يمكن التعرف إليها، كانت شرطة الطريق السريع تستوقفني، وتسألني عن اسم المسؤول الذي منحني إذن المرور على هذا الطريق.

وكنت أقول لهم وأنا أبرز الاتفاقية أمامهم: "وزير داخليتكم". وكانوا يحارون أحياناً في أمر هذه الوثيقة، ويستدعون مسؤولاً أعلى رتبة ويشيرون إلي بالانطلاق، وفي أحيان أخرى، كانوا يجبرونني على الرجوع من حيث أتيت. وبغض النظر عما إذا كانت هناك اتفاقية أم لا، فإنهم كانوا يعلمون أن مرور الأجانب غير مسموح به.

وفي السنوات التالية، بدأت هذه الشكوك الراسخة ومراعاة السلطة المتأصلة في الاضمحلال. والروس الذين لم يسبق لهم أن التقوا بأجنبي توقفوا عن الاندهاش بالجديد، ومن لم يكن أحد منهم يجرؤ على انتقاد المسؤولين، على الأقل خارج جدران منزله، والآن توقفوا عن القلق حول رفع أصواتهم.

عودة الخوف

لكن نائبة مدير مكتب منظمة "هيومن رايتس واتش" في روسيا، تانيا لوشينا قالت، خلال زيارتها الأخيرة إلى واشنطن، إن الخوف يعود في روسيا، وإن البلاد تتغير.

وتصف لوشينا، على سبيل توضيح الفكرة، زيارة أخيرة قامت بها إلى منطقة في سيبيريا. كانت تجري أبحاثا مع زميل لها عن نقص الرعاية المتعلقة بمسكنات الألم في روسيا، وهذا لم يكن الموضوع المألوف لحقوق الإنسان، وزيارتها كانت في الواقع تحمل أخباراً جيدة، فالمنطقة هي رائدة في تقديم الرعاية الإنسانية.

وتذكر لوشينا قائلة: "لم نكن نشعر بالقلق، كانت القصة إيجابية وتفتقر إلى أي حساسية سياسية".

ثم علم بيروقراطيون محليون من وزارة الصحة بزيارتهم، فقاموا باستدعائهم وسألوهم، حسبما تذكر: "أين هو الإذن الذي يسمح لنا بالوجود في سيبيريا؟ وأين الإذن الحكومي الذي يسمح لنا بإجراء مقابلات؟ ومن دعانا للحضور إلى سيبيريا؟ وهل كان جورج سوروس متورطا في الأمر؟".

وتقول لوشينا إنه خلال سنوات البحوث الخطرة الخاصة بحقوق الإنسان في القوقاز الذي تمزقه الحرب لم يجر التحقيق معها بهذا التشدد. والأطباء الذين كانوا لا زالوا يأملون بمقابلتهم، ألغوا مواعيدهم، أما الذين كانوا قد قابلوهم، فإنهم وقعوا في مشكلة". ولقد قيل للأطباء: "ما الأمر الذي كنتم تفكرون في التحدث به إلى عملاء أجانب؟".

الأجواء المحبطة

وترى أن هذه الأجواء المحبطة المفاجئة هي بالتحديد ما كان بوتين يسعى إليها، منذ أن استعاد الرئاسة في مايو الماضي، بعد غياب دام أربع سنوات كرئيس للوزراء. وكان برلمانه المذعن قد أعاد تعريف عبارة "الخيانة" بطريقة غير واضحة، حيث أصبح كل من يتحدث مع أجنبي أو منظمة أجنبية يشعر بالتوتر. ولقد طلب بوتين من كل منظمة تتلقى أموالا من الخارج، مما يعني معظم جماعات حقوق الإنسان، أن تعلن نفسها "عميلة أجنبية"، مما جعلها تبدو لمسامع الروس شبيهة بكلمة "جاسوسة".

ويسعى بوتين لزرع هذا الخوف لأسباب خاصة به. فقد صعقته الاحتجاجات الواسعة التي انطلقت منذ حوالي سنة، تقول لوشينا: "إنه يخاف ويريد العودة إلى عام 2007، عندما كان واثقا من الاستقرار ومن شعبيته". لكنها تضيف إنها لا تعتقد انه سينجح في مسعاه.

لكنها تقر أيضا أنها أذهلتها السرعة التي يمكن أن تعود لتنمو وتزدهر الرقابة الذاتية حتى بمقدار يتجاوز المقصود منها. وتضيف: "تولد التشريعات القمعية عند إقرارها حياة خاصة بها، ومن السهل البدء بها، لكن إيقافها أشبه بالمستحيل".