أعادت الاشتباكات الأخيرة بين مؤيدي الرئيس المصري د. محمد مرسي وبين معارضي الدستور إلى الأذهان عنف الأيام الأخيرة لحكم الرئيس المصري السابق حسني مبارك. فالجيش والشرطة ،حينها وخلال الأزمة الأخيرة، كانا غائبين عن المشهد، وقد وقفا على مسافة من الفوضى التي تحيط بهما.

وتأكيدا لهذا، فإن قادة الجيش اصدروا بيانات تفيد أنهم قد يتدخلون لإعادة النظام، وطالبوا في 11 ديسمبر الماضي بوجوب عقد صفقة بين جماعة الإخوان والمحتجين، قبل أن يلغوا هذه المطالب بعد فترة وجيزة.

وجادل البعض بأن حيادية الجيش الظاهرة هي انعكاس لقوته المتضائلة. فانتخابات يونيو 2012 قصقصت أجنحة الجيش، وأجبرت الجنود على العودة إلى ثكناتهم. وطرد د. مرسي للقائد الأعلى رتبة في المجلس الأعلى للقوات المسلحة في أغسطس الماضي، يمكن أخذه على أنه برهان على ذلك بالتحديد.

لكن خطوة د. مرسي لم تكن ذات طبيعة مكيافيلية فقط. وفي الواقع، بحسب نائب وزير الدفاع في مصر، اللواء محمد العصار، فإن الرئيس المصري نسق خطوته مع الأعضاء الأصغر سناً في المجلس الأعلى للقوات المسلحة. وهذه المناورة كشفت بالتالي عن بدايات تحالف بين الإخوان المسلمين والقوات المسلحة.

خطوة حاذقة

وتأكيد الجيش أنه لا يؤيد أياً من الطرفين خلال الاحتجاجات الأخيرة كانت خطوة حاذقة على نحو مماثل. ومع دعوة المتظاهرين لتنحي د. مرسي وقيام مؤيدي الرئيس بضرب المحتجين لانهم أرادوا إسقاط الحكومة المنتخبة، بدا المراقبون غير مبالين بالجيش. وبدوا تقريبا كما لو أنهم نسوا الحكم المهيمن للمجلس الأعلى للقوات المسلحة خلال ال17 شهرا التي تلت سقوط مبارك، والوجود المستمر له في أروقة السلطة بعد ذلك.

والمجلس الأعلى للقوات المسلحة خلال الفترة التي قضاها في السلطة، لم يف بوعوده المتعلقة بإعادة مصر إلى الحكم المدني إلا بالحدود الدنيا، لكنه زاد من قمعه باضطراد وعمل على الحفاظ على طبيعة جهاز الدولة العائد لحقبة مبارك، في الوقت الذي مزج قيادته على سبيل التظاهر.

وللقيام بذلك أسس المجلس الأعلى للقوات المسلحة ائتلافا لإدارة الحكم ضم ممثلين من جماعة الإخوان المسلمين، والسلفيين، وبعض الفلول المهمة المتبقية من أيام مبارك، بما في ذلك أعضاء من المعارضة الإسمية القديمة. ولقد تم استبعاد الثوريين، فيما استهزئ من الشخصيات المهمة في مؤسسات الدولة وقمعت بشكل انتقائي. وعندما توجه المصريون إلى صناديق الاقتراع هذا العام، خرج الإخوان منتصرين.

وفيما وراء الكواليس، دعم قادة الجيش الرئيس المنتخب، فيما كانوا يعملون على الحفاظ على مصالحهم. ولقد قاموا بذلك جزئيا لأنهم يعتقدون أنه والجماعة التي ينتمي إليها سيستمرون في الفوز بالانتخابات على الأرجح. بالإضافة إلى ذلك، على عكس القوى الثورية، أظهرت جماعة الإخوان المسلمين أنها على استعداد لتساوم وتفاوض مع قادة الجيش. وبالنسبة لكبار ضباط الجيش، أعطي هذا المزيد من المغزى للمراهنة على جهة تحظى بشرعية انتخابية.

صفقة مباشرة

وفي مقابل دعم الجيش، فان جماعة الإخوان أدخلت جملة واسعة من مطالب الجيش الأساسية مباشرة في الدستور، مثل عدم إشراف البرلمان على الميزانية العسكرية، وتشكيل مجلس دفاع وطني مليء بالعسكريين، ومنح القدرة على محاكمة المدنيين في محاكم عسكرية. والوثيقة التأسيسية لمصر، بالتالي، هي تجسيد لما سعى إليه الجيش منذ الإطاحة بمبارك. وعلى نحو أفضل بالنسبة للجيش، فقد حصل على ما يريده بالتحديد فيما كان يتظاهر بأنه يقف على الحياد من السياسة المصرية.

وفي هذه الأثناء، فإن معارضة القوى الثورية وأشخاص لا زالوا في الحكومة لم يسبق أن راقت لهم جماعة الإخوان المسلمين قط، إلى جانب الضغط المتأتي من الأزمة الاقتصادية المستمرة، كل هذه الأمور ستمنع د. مرسي والإخوان المسلمين من أن يتجهوا نحو التطرف.

وعلى الرغم من أن استراتيجية الجيش تبدو ناجحة إلى الآن، لكنها رهان محفوف بالمخاطر. وفي الواقع، قد تنتهي بتراجع قوتهم. خلال الانتفاضة التي أسقطت مبارك، راهن قادة الجيش على أن بوسعهم احتواء احتجاجات الشارع، وإسقاط مبارك من دون تغييرات هيكلية كبيرة في النظام السياسي. وبعد الانتخابات، راهنوا على الافتراض القائل إنهم سوف يتمكنون من استخدام مدنيين منتخبين ككبش فداء عند اندلاع أي أزمات سياسية واقتصادية.