مضى على الصراع السوري عامان، والحصيلة كانت مقتل أكثر من 40 ألف سوري، وهروب ما يوازي نصف مليون نسمة من البلاد، فيما لا يوجد ما يشير إلى خمود العنف قريبا. وأخيرا، أصبحت لقوات الثوار اليد العليا في الصراع على ما يبدو، وهم يسيطرون بشكل مباشر على حوالي 40 ٪ من مساحة البلاد.
ولقد أوصلوا المعركة إلى عتبة قصر الرئيس السوري بشار الأسد، واغلقوا الطريق المؤدي إلى المطار في دمشق في بعض الأحيان. لكن يبقى الأسد في وضع مسيطر، ولقد رد على مكاسب الثوار بأن أصبح أكثر عنفا، مطلقاً أخيرا صواريخ سكود البالستية ضد خصومه.
تهميش للسلميين
والمحتجون الأصليون المناوئون للأسد، الذين كانوا سلميين إلى درجة كبيرة، وامتنعوا عن الدعوة لإسقاط النظام، تم تهميشهم منذ أمد طويل نتيجة للحرب المحتدمة. وقد تم تزويد الجيش السوري بالأسلحة، كما أرسلت إمدادات من الذخيرة على نحو ثابت إلى المعارضة، وهذه كانت في معظمها أسلحة خفيفة، ولقد وصلت أساسا إلى الجماعات المتطرفة.
وأخيرا، أفيد أن إحدى الجماعات المتشددة، وهي جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة تمكنت من الاستيلاء على مركز قيادة فوج الـ 111 للجيش السوري. وهذه الخطوة شكلت ضربة لنظام الأسد، لكنها أشارت أيضا إلى المدى الذي تم فيه تهميش الثوار الأكثر اعتدالا في سوريا بسبب النجاحات المؤثرة للجماعات الأكثر تشدداً.
واليوم، المعتدلون هم القوى الوحيدة في البلاد من دون تدفق دائم للأسلحة الأجنبية، فالاتحاد الأوروبي وأميركا رفضا إرسال أسلحة إلى المقاتلين مباشرة. وخوفا من زوالها التام، فإن هذه الجماعات المعتدلة دعت الغرب مرارا وتكرارا من أجل تقديم الذخائر التي يحتاجونها لإسقاط الأسد.
ولأسباب وجيهة كثيرة، رفض صانعو القرار في الغرب أي فكرة تتعلق بتسليح المعارضة السورية على نحو شامل. أولا، بدت جماعات المعارضة في سوريا بتنوعاتها على درجة كبيرة من التمزق، وميولها الأيديولوجية غير واضحة بتاتا، لتستحق الدعم.
وثانيا، كان صانعو السياسات قلقين من أن يؤدي دعم طرف في الصراع السوري إلى تفاقم العنف الذي كان قد جرى احتواؤه نسبيا لأشهر، ويخشى كثيرون أن يغلق فعليا تسليح جماعات المعارضة الباب على التفاوض مع النظام.
وثالثا، التأثيرات اللاحقة للتدخل الليبي من الهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي وصولا إلى تفشي الفوضى والفساد، يشكلان تذكيرا منبها للتحديات التي قد تلي نهاية القتال.
وعلى الرغم من أن الثوار الليبيين نجحوا في قلب نظام الرئيس الليبي معمر القذافي، إلا انهم كانوا اقل نجاحا في السيطرة، أو على غير استعداد للسيطرة، على انتشار الأسلحة بعد انتصارهم.
تفكير جذاب
وهذا التفكير تبقى له جاذبيته إلى حد ما، فلا توجد طريقة سهلة للالتفات على واقع أن تسليم السلاح إلى قوات المعارضة يسير جنبا إلى جنب مع فقدان السيطرة المباشرة على المعدات العسكرية. لكن الوقائع على الأرض تجاوزت باضطراد النقاشات القياسية الرافضة لدعم القوات المناوئة للأسد، فيما تزداد الأسباب التي تدعو لتسليح الثوار قوة شهرا بعد شهر.
ومنتقدو تقديم دعم للمعارضة أكثر فاعلية يتحسرون منذ مدة طويلة على غياب الكيان المعارض المتماسك الذي يمكنه أن يرص صفوف خصوم النظام السياسيين والعسكريين المختلفين. لكن الآن، فإن الائتلاف الوطني السوري للثوار وقوى المعارضة المؤسس حديثا، والذي تم تشكيله بمساعدة أميركية في قطر في نوفمبر الماضي، يقوم بهذا الدور تحديدا.
ولقد اعترفت مجموعة تضم أكثر من 90 دولة بما في ذلك أميركا، في اجتماع في مراكش لأصدقاء سوريا، بالائتلاف الوطني باعتباره الحكومة الشرعية لسوريا. والرئيس الأميركي باراك أوباما أشاد بالائتلاف الوطني داعيا إياه "الممثل الشرعي للشعب السوري في معارضة نظام الأسد".
ولقد حل الائتلاف الوطني محل التحالف عديم الفعالية الذي سبقه، المجلس الوطني السوري، على الرغم من أن عدداً كبيراً من الممثلين في المجلس السابق استمروا في الائتلاف الجديد.
ويبدو أن قوى المعارضة حققت بعض التقدم نحو توحيد الجماعات المسلحة الكثيرة التي تواجه الأسد. ففي أنطاليا بتركيا أخيرا، أسس 500 من ممثلي الفصائل المسلحة السورية المختلفة المجلس العسكري الأعلى، وهو هيئة منتخبة من 30 ممثلا من صفوفهم.
والعلاقة بين الائتلاف الوطني والمجلس العسكري الأعلى هي الآن في طور التطور، والمجلس يواجه صعوبات في الفوز بقبول شامل من القوى المعتدلة. لكن واقع وجود مظلة لجماعة المعارضة معترف بها في الخارج يغير معالم الصراع.
دعم المعتدلين
وتسليح الائتلاف الوطني وتمويله يمكنهما تعزيز قوى المعارضة الأكثر اعتدالا في سوريا. وكان المراقبون على الأرض قد لاحظوا بصورة متكررة أن مقاتلي المعارضة المعتدلين الأصليين يتبنون بشكل متزايد الخطاب الإسلامي، مصرحين أن بمقدورهم "الاعتماد على الله فقط". وهذا يعتقد أنه يأتي في إطار الرد المباشر على السلبية الغربية.
أما جماعات المعارضة المتشددة، فإنها تجذب داعمين لها ليس بفضل أيديولوجيتها بالضرورة، وإنما بسبب حجم مخازن أسلحتها. بالتالي، قد يجذب الدعم الغربي المقاتلين إلى الائتلاف الوطني، وهذا بدوره يزيد إلى درجة كبيرة من النفوذ الغربي على قرارته.
ومن دون ذلك، فان الجماعات المتشددة هي التي باتت في موقع لتقرر تطور الوضع في سوريا ما بعد مرحلة الأسد، على حساب المصالح السورية والغربية.
تجاوز مرحلة
لأسباب وجيهة كثيرة، رفض صانعو القرار في الغرب أي فكرة تتعلق بتسليح المعارضة السورية على نحو شامل. وهذا التفكير تبقى له جاذبيته إلى حد ما. بلا شك، لا توجد طريقة سهلة للالتفات على واقع أن تسليم السلاح إلى قوات المعارضة يسير جنبا إلى جنب مع فقدان السيطرة المباشرة على المعدات العسكرية.
لكن الوقائع على الأرض تجاوزت باضطراد النقاشات القياسية الرافضة لدعم القوات المناوئة للأسد، فيما تزداد الأسباب التي تدعو لتسليح الثوار قوة شهرا بعد شهر.
