تواجه مالي أزمة حادة تتطلب استراتيجية سياسية تعمل على تسوية طويلة الأمد. وما هو مطروح الآن، يتركز في إرسال قوة متعددة الجنسيات لإعادة احتلال صحراء مالي ومحاربة المتشددين هناك، وذلك بالتزامن مع التفاوض على صفقات مع قادة المتمردين الأكثر حكمة، وهذا قد لا يوفر إلا وقف إطلاق نار مؤقت. ويعود السبب في ذلك إلى أن قادة الحكومة والمتمردين ومهربي المخدرات وحتى الإرهابيين كلهم يساومون من أجل الربح والسلطة.
ومالي كانت دولة ديمقراطية هشة انهارت عندما أعفي مقاتلو الطوارق من الخدمة في الجيش الليبي بعد سقوط الرئيس الليبي معمر القذافي، وعادوا إلى ديارهم، واجتاحوا الصحراء الشمالية التي تشكل نصف البلاد، معلنين دولة "أزواد" المستقلة. ولقد انضم اليهم إسلاميون متنوعون من مختلف أرجاء القارة، بما في ذلك خلايا من تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، مما جعل هذه المواقع الصحراوية ملتقى للتشدد الإقليمي والتجارة غير المشروعة، لا سيما المخدرات. وفي غضون ذلك، فان جنوداً مهانين من مالي انقلبوا على سادتهم السياسيين الذين يفتقرون للكفاءة وقاموا بانقلاب عسكري. وردا على ذلك، قام الاتحاد الأفريقي ودول غرب إفريقيا والأمم المتحدة ودول غربية عدة، بتشكيل حزمة سياسية تمت بموجبها تنحية قادة الانقلاب، وتنصيب حكومة مؤقتة مع وعود بإجراء انتخابات في السنة المقبلة، وتجميع قوة متعددة الأطراف لغزو الصحراء تعرف باسم "مهمة الدعم الدولي للتدخل في مالي" تلقب اختصارا "أفيسما" بقيادة إفريقية، بالإضافة إلى استعادة السيادة والقانون والنظام في مالي، بمساعدة أميركية وأوروبية، ومحاربة الإرهابيين الذين يهدد وجودهم بتشكيل ملاذ آمن للمتشددين الدوليين.
تقدم بطيء
والتقدم حتى هذه اللحظة يتسم بالبطء، لكنه في الاتجاه الصحيح. ولا يسعد أحد محاولة إعادة احتلال شمال مالي بقوة السلاح، لاسيما مخاطر قتال بدو الصحراء على أرضهم والتداعيات السياسية لاحتلال قوات أجنبية لمدن مسلمة. لكن التهديد بالقوة على ما يبدو حقق نتائج، حيث قام أحد أقوى قادة ثوار الطوارق أياد آغ غالي، الذي يترأس المجموعة الإسلامية "أنصار الدين"، أخيرا بحضور مباحثات السلام مع رئيس بوركينا فاسو، بليز كومباوري، وعبر عن استعداده لعقد اتفاق. وهذا يبعث الأمل في أن يتعاون معظم متمردي الطوارق مع "أفسيما" لعزل قوات تنظيم القاعدة وهزيمتها، والعودة إلى العمل كسابق عهدهم في التحكم بتجارة الصحراء غير الشرعية.
وعند هذا المنعطف، تصبح القصة أكثر تعقيدا. ومشكلة مالي لن تحل من خلال عقد صفقات مع الأخيار وإرسال قوات خاصة لملاحقة الأشرار، لأنه لا يوجد أشرار وأخيار، بل مشترو وبائعو ولاءات منفعية.
ومهنة أياد أغ غالي يمكن أن يطلق عليها تهذيباً "مهنة متقلبة". ومن عادته الظهور حيث هناك أموال سهلة يمكن جنيها، ولقد نصب نفسه بشكل حاذق كزعيم إسلامي أكثر تشددا من المقبول التعامل معه.
والرئيس كومباوري بارع في عقد الصفقات: على مدى 25 سنة ترك بصماته في مختلف الانتفاضات في غرب إفريقيا، ولقد غير جلده برشاقة من راع لمجرمي الحرب إلى شرطي لا غنى عنه لفرنسا. وقادة نيجيريا هم أيضا صانعو صفقات بامتياز، وعملياتهم المتعلقة بحفظ السلام هي مشاريع أعمال بقدر ما هي ممارسات في إعادة القانون والنظام.
تضخيم الخطر
ولا شك أن هناك نواة صلبة لمشروع تطرف دولي في الصحراء. لكن لاعبين كثراً لديهم اهتمام بتضخيم خطرهم. بالنسبة لثوار مثل أياد أغ غالي، فإن ذلك يعطيه مزيدا من النفوذ على طاولة المفاوضات. وبالنسبة للحكومات الإقليمية، فإنها طريقة سهلة في لفت انتباه أميركا، لتدفع أموالاً لتدريب الجنود وتجهيزهم. وبالنسبة للجزائر، التي تعتبر أن هذا الامتداد من الصحراء يمثل الخلفية لها، فإنها تشكل ورقة بيضاء لخدماتهم الأمنية في السيطرة على مسرح الأحداث.
ولدى سماسرة السلطة أيضا مصالحهم الخاصة في التجارة الدولية غير الشرعية. ومنح قوات من بوركينا فاسو ونيجيريا مهام منع تهريب المخدرات هو انتصار للأمل على التجربة.
وقادة إفريقيا يبذلون جهدا لإبقاء احتياجات مالي، على صعيد الديمقراطية والحكم الصالح، على جدول الأعمال. ولقد تبني الاتحاد الإفريقي خطة استراتيجية لحل الأزمات، تضمنت تشكيل الحكومة المؤقتة فريق تفاوض يمثل الأطراف المختلفة. وللأسف فإن قادة مالي المحبين للخصام لم يتمكنوا من الاتفاق على العضوية، وبعضهم أشعل المشاعر الشعبية ضد التفاوض مع متمردين متهمين بالتطرف وانتهاكات حقوق الإنسان. وفيما الماليون يراوغون، جرى التقدم بخطوة من جانب عدد كاف من المتمردين لعزل تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي.
وتواجه خطة الاتحاد الإفريقي معوقات محبطة. وتتطلب سياسة إعادة الديمقراطية والحكم إلى مالي إجماعا دوليا، وصبرا، واستشارات واسعة النطاق بين الماليين. فمتمردو الطوارق ارتكبوا انتهاكات، لكن هناك سجلاً طويلاً ومريراً من التهميش والتجاهل للبدو. وتحتاج مالي إلى إيجاد نسختها الخاصة لسلطة حقيقة تصالحية.
وحكومات مالي المتتالية كانت لديها سلطة مركزية، ولقد آن الأوان للبحث عن خيارات نقل السلطة إلى الأقاليم في الشمال والجنوب. كما بات ضروريا أن تقطع أوروبا وأميركا تدفق الأموال غير المشروعة، والتي لا رقيب عليها، للمتمردين والمسؤولين الحكوميين على السواء، فالفساد والجريمة يشعلان "سياسة البازار" عديمة الضمير.
مسار سياسي
لا يجب أن يثير الغضب على الانتهاكات المرتكبة من قبل المتمردين المتشددين في مالي ذعراً أخلاقيا، نفقد في سياقه الرؤية وما الذي سيشكل حلا للأزمة. فسكان مالي يحتاجون إلى صيغة سياسية توافقية لحكم بلادهم المتنوعة ولإيجاد نظام قائم على التنمية المستدامة، وليس صراعا على الثروات الشخصية الشرعية وغير الشرعية، وعندما يكون مثل هذا المسار السياسي قائما، فإنه في تلك الحالة فقط ستجلب العمليات العسكرية لإعادة غزو الصحراء فوائد دائمة. فالسياسة أولا هي درس في مكافحة التمرد ومكافحة الإرهاب حول العالم، فدعونا نتعلمه في وقته المناسب هذه المرة.
