دمرت جمهورية الكونغو الديمقراطية بشكل متكرر من جراء الحروب والثورات والهجمات على المدنيين في العقدين الماضيين. وعلى الرغم من أن البلاد نادرا ما تكون دون مناوشات هنا وهناك، نتيجة لتاريخ معقد من الخصومات بين الجماعات العرقية والصراعات الدائمة على ملكية الأراضي والموارد، إلا أن الحكومة خطت خطوة استراتيجية نحو السلام منذ سنوات عدة، حيث وقعت على اتفاقية في 23 مارس 2009 مع مجموعة متمردة تدعى "المؤتمر الوطني للدفاع عن الشعب"، التي كانت قد أحرزت قدرا كبيرا من السيطرة على الأجزاء الشرقية من الكونغو الغنية بالمعادن بدعم من رواندا، الجارة الأصغر حجما بكثير لكنها الأقوى على الحدود الشرقية.

دمج المتمردين

وجزء من تلك الهدنة دعا إلى دمج أعضاء الميليشيات المتمردة في جيش الكونغو، وكانت تلك خطوة حاذقة من جهة حكومة الرئيس جوزيف كابيلا وإن كانت مشبوهة. وهذا الأمر سار بشكل جيد حتى بداية الربيع، عندما ثار المتمردون السابقون ضد الجيش، زاعمين أن مسؤولي الحكومة لم يلتزموا من جهتهم باتفاق السلام. ولقد انفصلوا متخذين لأنفسهم اسم "إم 23" في إشارة إلى الشهر وتاريخ اتفاق السلام الفاشل.

وأخيرا، سيطرت قوات "إم 23" بسهولة على غوما، عاصمة ولاية كونغو الشرقية. وهي أقوى من جيش الكونغو، وبوحشيته إذا لم تكن أكثر وحشية منه، ولقد هددت بالتقدم إلى مدن أخرى، مما زاد احتمال وقوع فصل جديد من الاضطرابات والمآسي.

والمجتمع الدولي الذي كان مقصراً في عدم محاولته كبح جماح "إم 23" في الأشهر السابقة، جاء رد فعله على هذه الأزمة الأخيرة سريعا. ودعت قمة قادة إفريقيا الإقليمية متمردي "إم 23" إلى وقف القتال والانسحاب من غوما، ومن ثم التفاوض على مطالبهم مع المسؤولين الحكوميين. أما إدارة أوباما، فقد أدانت رسميا استيلاء "إم 23" على غوما، ودعت إلى إعادة المدينة إلى السيطرة الحكومية، كما أرسلت مساعدة وزيرة الخارجية الأميركية للشؤون الإفريقية إلى المنطقة للضغط من أجل وقف إطلاق النار، وللتشديد على إدانة أميركا لأي دعم خارجي للمتمردين.

ويوجد بين متمردي "إم 23" عدد من منتهكي حقوق الإنسان الذين ترجع سجلاتهم في العنف إلى عقد من الزمن (قبل دمجهم في الجيش بفترة طويلة)، من مجازر عرقية واغتصاب وتجنيد أطفال بحسب منظمة "هيومن رايتس واتش". والشخص ذو السمعة الأسوأ هو بوسكو نتاغاندا، وهو من كبار قادة التمردين الذي أدمج في جيش الكونغو بصفة جنرال لحظة اتفاق السلام، ويعتقد انه لا زال متورطا مع "إم 23"، والمتمردون ينكرون ذلك. وهو مطلوب لجرائم حرب من قبل المحكمة الجنائية الدولية.

وليس مستغربا أن تكون لثوار "إم23" لائحة من المطالب، مثل اطلاق سراح السجناء السياسيين، وحل لجنة الانتخابات الوطنية، لكنهم اتخذوا موقفا حكيما أخيرا بإعلانهم التراجع عن غوما، وإعادة تسليمها إلى المسؤولين الحكوميين قبل بدء المفاوضات.

بداية واعدة

وهذه تعد بداية واعدة، ويأتي الجزء الأصعب الآن. ففي هذه منطقة كثيرا ما تنتهي الوعود دون الوفاء بها. وقادة "إم 23 " يقولون، على سبيل المثال، إن الحكومة تراجعت عن وعودها في منحهم وإبقائهم في مناصب عسكرية رفيعة الشأن. ويتعين على الحكومة، بالتوافق مع جيرانها الإقليميين وبدعم من أميركا، معالجة القضية المعقدة المتمثلة في كيفية إدارة الولايات الشرقية للكونغو، وفي كيفية دمج المجموعات المتمردة المتجذرة هناك، وتصوير نفسها على أنها تمثل السكان المحاصرين. هؤلاء لن يغادروا. أطردوهم وسوف يحاربون من جديد.

وبعد قول هذا، فإنه إذا أراد قادة "إم 23" أن يتم حملهم على محمل الجد باعتبارهم وسطاء سلطة ومسؤولين فيها، فإنه يمكنهم البدء بأداء اليمين والتعهد رسميا بالتخلي عن وحشية ماضيهم والتنصل بقوة من تناغاندا. وهذا وحده سيميزهم كقوة لا تسعى فقط إلى السلطة العسكرية، بل تريد فعلا مساعدة الناس الذين تقول عنهم إنهم مهملون في شرق الكونغو.

مشكلة عويصة

تقدر إحصاءات اليونيسيف أن 300 ألف طفل بين فتى وفتاة تتراوح أعمارهم ما بين 7 إلى 17 عاما متورطون في أكثر من 30 صراعا حول العالم.

لكن القضية تبدو شديدة الحدة في المنطقة الشمالية الشرقية من جمهورية إفريقيا الوسطى، على الحدود مع تشاد، حيث يجبر الأطفال هناك على التحول إلى مقاتلين، والفتيات إلى خادمات أو رقيق. ويتمركز في المنطقة عدد من المجموعات المسلحة المتمردة التي تستخدم الأطفال كجنود. والمجموعة الأسوأ سمعة بينها هي جيش الرب للمقاومة الأوغندي بقيادة جوزيف كوني الذي يعمل على امتداد المنطقة من جمهورية إفريقيا الوسطى وصولا إلى تشاد وجمهورية الكونغو الديمقراطية إلى أوغندا وجنوب السودان.