كل ما يتعلق بالحق والباطل في السياق المؤدي للأزمة الأخيرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين في غزة يرتبط في الغالب بمنطقه الخاص، لكن مختلف الحجج الداعمة لهذا المنطق لدى الجانبين تنتهي تقريباً إلى النتيجة نفسها، وهي أنها جميعها تساعد في الوصول إلى درجة من الشلل الاستراتيجي الذي يضمن استحالة وجود حل للأزمة يتسم بالاستقرار، ويضمن، علاوة على ذلك، أن التوترات في المستقبل ستتصاعد، وأن الفلسطينيين سيعانون أكثر لأنهم ضعفاء، وأن الإسرائيليين لن يصبحوا أكثر أمناً لمجرد كونهم أقوياء.
وفي أحسن الظروف، فإن وقف إطلاق النار لن يقدم مستقبلًا حقيقياً لسكان غزة، ولن يوقف شكلاً جديداً من الهجمات غير المتوازنة على إسرائيل. والسؤال هو: إلى متى ستدوم حالة الهدوء ومتى ستتجدد الهجمات. ومن المحتمل أن تتمكن عملية غزو بري وضربة جوية من شراء مزيد من الوقت، ومن المحتمل ألا تحققا ذلك.
حلقة مفرغة
لكن احتلالاً إسرائيلياً دائماً على الأرض هو الوحيد الذي يمكنه وقف هجمات الصواريخ على إسرائيل في المستقبل، وهذا الأمر ممكن ما دام الاحتلال قائماً. لكن هذا الاحتلال سيؤدي حتما إلى هجمات على أهداف للجيش الإسرائيلي في غزة، وحلقة جديدة من العنف الداخلي، وانسحاب إسرائيلي في نهاية المطاف.
وعند لحظة ما، وقد تكون تلك اللحظة قد مرت بالفعل، ستعمل إسرائيل على توجيه ضربات جوية ضد أهداف تعتبرها محورية، لكن هذه الضربات ستنطوي على خطر إلحاق إصابات بين المدنيين بصورة مستمرة.
ويرى الخبراء الاستراتيجيون الأميركيون أن عملية توجيه ضربات جوية إضافية على غزة يحتفظ بوظيفة ما لا سيما في دفع سكان غزة والعالم الخارجي للتفاوض، وربما إحداث تأثير رادع تراكمي ومؤقت. لكن هذه الضربات، في الوقت نفسه، تثير نفور مصر والأردن والجمهور العربي وأوروبا بشكل مضطرد، وتقوض بشكل متزايد السلطة الفلسطينية التي جرى إضعافها بشكل كبير، ومسار السلام الذي يحظى بقليل من المصداقية أو المفتقر للمصداقية بين معظم الفلسطينيين والإسرائيليين.
ويرون أن الشيء نفسه ينطبق على هجمات الصواريخ الخاصة بالفلسطينيين. فهي على درجة كبيرة من اللا فاعلية بالمعنى العسكري بحيث أنها لا تهدد إسرائيل، وأكثر فاعلية بكثير في جعل إسرائيل تستجيب وتصعد الموقف. وهي تؤدي أيضا إلى استخدام غير متناسب في القوة، حيث يمكن لإسرائيل استخدام قوة أشد بكثير ضد المدنيين، وخاصة الأطفال والنساء من أجل إحداث تأثير يدفع الفلسطينيين لوقف الهجمات، وبشكل يفوق ما يتعين على حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي استخدامهما على صعيد إطلاق الصواريخ. والمقارنات الناتجة عن ذلك على صعيد المعاناة تقدم لحماس وللجهاد الإسلامي برأي هؤلاء الخبراء الاستراتيجيين قوة استراتيجية فيما يتصل بالدعم الخارجي، لكنه يسبب معاناة أكبر بكثير للسكان الفلسطينيين.
كما أن طبيعة الاشتباكات نفسها تقدم فرصة للمتشددين من الجانبين لتصعيد استخدام القوة، وتقدم ميزة واضحة للقوى الخارجية التي تقوم بتمويل الجانب الفلسطيني وتسليحه. فهي تسمح للفلسطينيين باستخدام تكتيكات مماثلة في لبنان أو سوريا، ويحتمل في الضفة الغربية وداخل إسرائيل، فيما السلطة الفلسطينية تخسر باضطراد المصداقية والدعم الشعبي. وإسرائيل ستكون قادرة دوما على التصعيد اكثر من خصمها المباشر، لكنها ستواجه مشكلات أكبر في الهجوم على جماعات متشددة جديدة خارج دول شرق البحر الأبيض المتوسط.
غياب الجدية
ومن الإنصاف القول إنه لو كان هناك تقدم في مسار السلام الإسرائيلي الفلسطيني فعلًا، لما كان هذا الواقع قائماً. وتبقى الأهداف التي وضعت في أوسلو السبيل الوحيد لتحقيق حل استراتيجي دائم لحلقة العنف القائمة. لكن يبدو جلياً أن أياً من الجانبين لا يأخذ هذا المسار الآن على محمل الجد أو يعتقد أن هناك شريكاً فعلياً لدى الجانب الآخر. وتبقى الخطابات والإيماءات، وكذلك المكافآت على شكل مساعدات وسياسات، لكنها جميعها ليست إلا تغطية لا طائل لها على صراعات سياسية على السلطة لدى الجانبين، ترى الداعمين الفعليين لعملية السلام يزدادون ضعفاً وتهميشاً. والانتخابات المقبلة، أو غياب الانتخابات، لدى الجانبين من المؤكد أنه يزيد الأمور تعقيداً، كما الحقائق السكانية المقارنة والتفاوت في القوة والثراء.
وفي هذه اللحظة، لا توجد خطط حقيقية أو أفعال أو احتمال لتحقيق نجاح. بالإضافة إلى ذلك، كل سنة تمر تفصل الإسرائيليين والفلسطينيين أكثر عن ذلك الزمن الذي عاشوا فيه معا وعملوا سويا.
وهذا الوضع هو أكثر سوءا في غزة التي هي عبارة عن أحياء حضرية فقيرة صغيرة من دون أية موارد فعلية باستثناء التوقعات غير المؤكدة بوجود كميات كبيرة من الغاز في البحر. ويوجد في القطاع أكثر من 1.7 مليون فلسطيني يعيشون فيما يوازي سجناً لا مجال آمن لدخوله والخروج منه، أكان ذلك على أساس شروط شخصية أو اقتصادية. وأهل غزة أصبحوا مشكلة تنموية، وهذه المشكلة لا أمل منها تقريبا بحسب البنك الدولي. وتقدر وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية أن أكثر من 40% من السكان هناك عاطلون عن العمل، فيما تعيش نسبة 38% منهم تحت خط الفقر، ومتوسط العمر في غزة هو ما دون 18 سنة، وبمعدل نمو سكاني هائل يحتل المرتبة السادسة عالمياً.
والضفة الغربية هي أفضل بفارق بسيط، فيما يتعلق بظروف المعيشة والشروط الاقتصادية والحرية السياسية. وهي تملك موارد فعلية محدودة أيضا، من دون أي رؤية لإمدادات إضافية بالمياه، وبعدد سكان يفوق بكثير قاعدته الزراعية والاقتصادية. وتقدر وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية أن عدد سكان الضفة الغربية أكثر من 2.6 مليون نسمة يعيشون تحت قيود مشددة، مع إقامة حوالي 311 ألفاً من المستوطنين في الضفة الغربية و186 ألفاً في القدس الشرقية.
والضفة الغربية منطقة حضرية أيضا بنسبة تتجاوز 70%، ومتوسط العمر فيها هو ما دون 22 عاماً، وعدد الفلسطينيين ما زال ينمو بسرعة. أما البطالة الإجمالية، فإنها تقرب من نسبة 24%، فيما يتجاوز عدد العاطلين عن العمل بين الشباب نسبة 46%. ويعيش ما يفوق نسبة 18% من سكان الضفة عند مستوى خط الفقر. ولا توجد إحصاءات يمكن الاستناد إليها حاليا لمعرفة متوسط نصيب الفرد من الدخل مجتمعا بين الضفة الغربية وغزة، لكن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية تفيد بأنه يوازي 2800 دولار أميركي بترتيب 173 في العالم. ومعظم هذا الدخل يأتي من الدعم والمساعدات الخارجية. وليس لدى غزة أو الضفة الغربية اقتصاد حقيقي.
الإحصاءات المقارنة
وعلى النقيض من ذلك، يدعي المراقبون الغربيون أن إسرائيل حققت قصة نجاح، على الرغم من أنها قائمة أيضاً على اقتصاد المساعدات. ويصل عدد سكانها إلى 7.6 ملايين نسمة، بنسبة تصل إلى 76% من اليهود. والبطالة بين الشباب هي أقل من 15%، ومعظم العاطلين عن العمل هم من فلسطينيي الـ48 داخل إسرائيل. ومتوسط نصيب الفرد من الدخل هو الآن حوالي 32 ألف دولار، أما البطالة الإجمالية، فتصل إلى نسبة 5.6%. وهناك ما يربو على نسبة 23.7% يعيشون تحت خط الفقر، لكن هذه الأرقام تستند إلى معدل دخل 7.3 دولارات في اليوم، وهو أعلى بكثير من المستوى المعتاد، ومعظمهم أيضا من فلسطينيي الـ48. والمقارنة بين الحياة في إسرائيل وبينها في غزة والضفة الغربية جلية للعيان. والغضب والتاريخ والسياسات ونقص السيادة والكرامة، كلها تتفاعل مع الاقتصادات والحقائق السكانية.
وهذه الفروقات تتفاعل الآن أيضا مع الأزمات السياسية والانتفاضات في العالم العربي. ومصر الآن لديها حكومة للإخوان المسلمين ومزيد من الديمقراطية الفعلية، مما يقلص القبول بالأوضاع القائمة في غزة والضفة الغربية، ويدفع أكثر نحو ضمان إمكانية مرور الأسلحة والأموال والمتشددين عبر الأنفاق إلى غزة.
وكثير من طبيعة الضغوط نفسها تؤثر على أي حديث عن جعل الأردن الحل للدولة الفلسطينية. والاقتصاد الأردني يعيش في أزمته الخاصة، ولا يمكنه استيعاب مشكلات الضفة الغربية، وبدرجة أقل المشكلات الأصعب لغزة.
أما في لبنان سوريا، فإن التوترات الداخلية ستحد على الأرجح من المخاطر أكثر مما في الحسبان، ويصعب رؤية حكومة أو جهاز أمني في أي من البلدين بإمكانها تقييد تحركات حركاتها المتطرفة العنيفة المتعددة. وحزب الله قد لا يكون مجازفاً من دون حدود، وقد يكون المتشددون السنة في لبنان شديدي الضعف للتحرك الآن، لكن هذا لا يشكل ضمانة للمستقبل.
الورقة الفلسطينية
أما بالنسبة لسوريا، فإذا تمكن الرئيس السوري بشار الأسد من البقاء، فإن اللعب بورقة التشدد الفلسطيني قد يشكل أحد السبل لتحسين موقعه مع إسرائيل وأميركا وكسب بعض الدعم السني. وإذا فشل وكان للحركات المتشددة الجديدة دور رئيسي في الإطاحة به، فإنهم قد يضغطون على الحكومات السورية المقبلة وينضمون إلى الحركات الأخرى، وإلى الفروع المختلفة لتنظيم القاعدة، في الدفع نحو المزيد من التشدد الفلسطيني.
أما بالنسبة للحركات السنية المتشددة الجديدة خارج المنطقة، فإن دعماً بتكلفة منخفضة للتسلح الفلسطيني على الأرجح أن يكسب دعما خارجيا، ويزيد الضغط على إسرائيل وأميركا. ويمكن لعدد من صواريخ "غراد" بعيدة المدى أن تقوض وقف إطلاق النار بشكل دائم، ويمكن استغلال واقع انه لا يوجد تقدم نحو السلام وسيادة لها معنى للفلسطينيين أو أمن للإسرائيليين.
وهذه الاستنتاجات هي استنتاجات كئيبة بالتأكيد. فأفق جهود فعلية على صعيد الممارسة غير موجودة تقريبا. وجهود وقف إطلاق النار أو التفاوض لن تشتري أكثر من بعض الوقت على الأرجح، فيما يستمر الوضع في التدهور.
وعلى هذا الأساس، فان حل العالم الواقعي قد يكون بقبول أن ما حدث في غزة أخيراً سيتكرر مجدداً في المستقبل، وأن أميركا لا يمكنها أن تفعل شيئا أكثر من تشجيع إسرائيل على ضبط النفس، فيما تساعدها في تعزيز قوتها العسكرية. وفي العالم الواقعي، فإن الحلول الدائمة هي فقط تلك التي لا يدعمها أي من الجانبين أو يعملان على أساسها.
ترجمة: نهى حوّا
