يمكننا ان نتجادل حول من الذي قتل حل الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية ، ولكن ما جدوى ذلك؟ يبدو بجلاء متزايد أن الإصرار المتواصل على محادثات السلام شبه الميتة بين الإسرائيليين والفلسطينيين هو خداع لأن مبدأ الدولتين الذي يؤطرهما قد مات.
ولكي نختصر الأمر فإننا نقول إن من المستحيل الآن نزع نصف مليون مستوطن والبنية الأساسية التي تخدمهم من الضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلين. ويعارض المجتمع الدولي المستوطنات على الورق، ولكنه لا يفعل شيئا حيالها على الصعيد العملي. وبعد 19 عاما من محادثات الدولتين التي منيت بالإخفاق، فإن من الواضح أن الخطأ يكمن في الخطة وليس في القيادة.
وقد تم التعبير عن وجهة النظر هذه أخيرا بصوت أكثر ارتفاعا على الجانبين من جهات غير متوقعة ولأسباب مختلفة، بل وبادر معلقون اسرائيليون بارزون إلى إعلان نهاية فترة الدولتين.
عواقب عملية
وإلى جانب ذلك، فإننا قد بدأنا في رؤية العواقب العملية لما يقوله المستوطنون الإسرائيليون الذين شرعوا على نحو مدهش قبل عامين في الحديث عن المداخل إلى دولة واحدة. وقد أعطيت أخيرا قرية فلسطينية في منطقة تسيطر عليها الإسرائيليون في الضفة الغربية تصاريح بناء وتلك هي المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك خلال الاحتلال الإسرائيلي الذي دام 45 عاما، وذلك بفعل التماسات تقدم بها جيرانهم من المستوطنين اليهود.
وفي صفوف الفلسطينيين أيضا يتزايد التأييد لنهج الدولة الواحدة، وقد أوضح استطلاع للرأي أجري الشهر الماضي أن التأييد لصيغة الدولة الواحدة القائمة على الحقوق المتساوية قد تزايد بنسبة محدودة في صفوف كل من الفلسطينيين والإسرائيليين.
وفي الضفة الغربية هناك ذرى جديدة لخيبة الأمل حيال السلطة الفلسطينية التي كان يفترض على الدوام أن فترة استمراريتها مؤقتة وتتوقف على إنشاء الدولة الفلسطينية على نحو ما هو مدرج في اتفاقيات أوسلو.
صيغة صهيونية
وفي كتابه الجديد بعنوان "ما وراء حل الدولتين" يستلهم عالم الاجتماع الإسرائيلي يهودا شنهاف صيغة من الصهيونية سابقة على إسرائيل وثنائية القومية تم إغراقها تاريخيا ولكنه يجادل الآن بأنه ينبغي استعادتها.
وتتصدى هذه الصياغة الناشئة للنقد المشترك لمقترحات الدولة الواحدة ولكنها لا تشدد على أن يتخلى الفلسطينيون والإسرائيليون الارتباطات التي تجاوزها الزمن بالقومية وهو أمر مفيد لأنه يبدو أن أي من الطرفين لا يريد القيام بذلك.
والأفكار التي تطرح في هذا الصدد هي كلها أفكار وليدة وهناك مشكلات بالطبع ومعظم الإسرائيليين والفلسطينيين الذين جرى استطلاع آراؤهم لا يزالون يؤيدون إطار الدولتين وحتى إن كانوا يعتقدون بأنه قد فات أوانه. وإسرائيل المتعلقة بالمجال الذي يتم تقاسمه تتمتع بقوة دفع كبيرة على مستوى القاعدة ، ولكنها لا تحظى بتأييد على مستوى القيادة. ويحتاج اليسار إلى ضمان أن غزة ستظل جزءا من الصورة، وبعض مستوطني الضفة الغربية يؤيدون الاتجاه إلى دولة واحدة كطريقة لتجنب الطرد المحتمل من المستوطنات مع تقدير محدود للحقوق الفلسطينية.
وقد أشار استطلاع حديث إلى أن الإسرائيليين يوافقون على حل الدولة الواحدة مع وجود آلية تؤيد سياسات تمييزية بضم الضفة الغربية. والاجتماعات بين المستوطنين والفلسطينيين المتسمة بالتردد يمكن أن تنهار لدى تجاوزها إلى ما وراء القضايا الاجتماعية الأمنة نسبيا. و
قد كان الإيمان بقوة أناس يجلسون معا ويشربون أقداح الشاي موضوعة مألوفة خلال سنوات عملية السلام، وعلينا أن نرى الآن إلى أين وصل، ولكن هنالك فكرة واحدة تتبلور في الوقت الراهن، وهي أن التشبث بنهج الدولتين هو انتصار لمطالب اليمين المتشدد بدولة واحدة تسمى "إسرائيل الكبرى" تضم أقلية يهودية ونظامين قائمين على الأعراق للحقوق والحريات.
هذا هو الواقع على الأرض الذي تكرسه إسرائيل وتريد الحكومة الإسرائيلية الآن أن تدعمه بشكل أكبر من خلال محاولة جعل جميع المستوطنات قانونية وفقا للقانون الدولي، والترويج لفكرة أن الضفة الغربية ليست محتلة.
وفي هذا السياق فإن من المشجع أن معسكرات السلام على كلا الجانبين قد شرعت في إنهاء فترة طال أمدها من الشلل، حيث تزيح جانبا بقايا مرحلة أوسلو لتعود إلى مجال من التفكير. ويعتقد الكثيرون أنه لدى التحرر من البقايا الميتة لننهج الدولتين فحسب، يمكن لحل سلمي أن ينال فرصة الازدهار.
اقتسام المجال
تنطلق في إسرائيل مناقشات حول المسائل العملية المتعلقة بكيفية اقتسام المجال الممتد بين البحر المتوسط ونهر الأردن. وفي الآونة ألأخيرة تقدمت المحللة الإسرائيلية داليا شيندلين التي كانت في السابق داعية لحل الدولتين ، بقائمة من الأسئلة والاقتراحات الأساسية المتعلقة بقضايا مثل الرموز الوطنية وأنظمة الاقتراع واللاجئين والحقوق في الأراضي.
وفي الوقت الراهن، يعكف مثقفون إسرائيليون غلى الاشتغال على فكرة أن المطالب اليهودية بهذه المنطقة التي تفرض الآن بالأسلحة والأسوار تحتاج بدلا من ذلك إلى أن تكرس بالقانون جنبا إلى جنب مع حقوق فلسطينية مضمونة.
