حقق الحزب الليبرالي الديمقراطي الياباني الذي هزم شر هزيمة في انتخابات مجلس النواب في أغسطس 2009، نجاحاً في الانتخابات العامة أخيراً، وكان هذا الحزب قد أجبر على التخلي عن السلطة لصالح الحزب الديمقراطي الياباني، بعد حكمه لليابان بشكل متواصل منذ 1955 تقريباً. وعلى إثر ذلك، سيستعيد رئيس الحزب الليبرالي الديمقراطي، رئيس الوزراء الياباني السابق شينزو آبي، رئاسة الوزراء مجدداً.

وفاز الحزب الليبرالي الديمقراطي وحليفه حزب كوميتو بأكثر من ثلثي مقاعد مجلس النواب، بما يكفي من المقاعد لإسقاط القرارات التي يتخذها مجلس المستشارين. وحصلت القوى المؤيدة لتعديل الدستور، بما في ذلك الحزب الليبرالي الديمقراطي وحزب إعادة بناء اليابان، أيضاً على أكثر من ثلثي عدد المقاعد. ونتائج الانتخابات يفترض تفسيرها بأنها تعكس خيبة أمل الناخبين القوية بالحزب الديمقراطي الياباني، الذي فشل في تطبيق كثير من وعوده الانتخابية التي تعود لانتخابات عام 2009، بدلاً من كونها تأييداً قوياً للحزب الليبرالي الديمقراطي.

لا ضمانات

ومن المحتمل جداً أن يكون الناخبون قد شعروا، في خضم الركود الاقتصادي والسياسي الحالي، بأنهم أكثر أماناً، بمنحهم سلطة الحكم مجدداً إلى الحزب الذي لديه خبرة طويلة في إدارة البلاد. لكن بالنظر إلى المقترحات السياسية للحزب الليبرالي الديمقراطي، فإنه لا شيء يضمن أن حياة الناس ستتحسن تحت إدارة الحزب الليبرالي الديمقراطي أو أن البيئة العالمية المحيطة باليابان سوف تصبح أكثر استقراراً.

وكان الحزب الديمقراطي الياباني قد وعد بأن يأخذ المبادرة في مجال تطوير السياسات من يد البيروقراطيين، من أجل التخلص من شبكة السياسيين والبيروقراطيين والصناعيين التقليدية بمكوناتها الثلاث، والتي تمثل أساس الفساد. لكنه لم يتمكن من تحقيق أي شيء ذي مغزى في هذا المجال. وتدريجياً، أعاد البيروقراطيون إحكام قبضتهم على حكومة الحزب الديمقراطي الياباني. ولقد أظهر هوس رئيس الوزراء الياباني يوشيهيكو نودا، بزيادة معدل ضريبة الاستهلاك، التي لم تكن جزءاً من البيان الانتخابي للحزب الديمقراطي الياباني في عام 2009، أنه كان كلياً تحت سيطرة بيروقراطيي وزارة المالية.

وخلال إدارة الحزب الديمقراطي الياباني، فإن أجور العمال لم ترتفع والعمال غير النظاميين أصبحوا يشكلون أكثر من ثلث القوة العاملة في البلاد. وفي الانتخابات الأخيرة، سجلت أعداد الحزب الديمقراطي الياباني في مجلس النواب تراجعاً قياسياً إلى 57 عضواً. بالإضافة إلى ذلك، لا شك أن النزاع الدبلوماسي بين اليابان والصين حول ملكية جزر سنكاكو قد أشعر بعض اليابانيين بأن بلادهم ضعيفة الإرادة.

العوامل المؤثرة

وهذه العوامل على ما يبدو دفعت الناخبين لدعم الحزب الليبرالي الديمقراطي، وكذلك حزب إعادة بناء اليابان الداعي لتعديل الدستور والذي ضمن لنفسه 54 مقعداً، مما وضعه على قدم المساواة تقريباً مع الحزب الديمقراطي الياباني. ولمفارقة القدر فإن الحزب الليبرالي الديمقراطي هو الحزب الذي تكاتف إلى جانب حزب كوميتو، مع الحزب الديمقراطي الياباني لسن مشروع قانون يضاعف معدل ضريبة الاستهلاك إلى 10% بدءاً من أكتوبر 2015، على الرغم من خطر تدمير الاقتصاد الياباني، الذي يعاني من انكماش طويل الأمد أصلاً.

ومفارقة أخرى هي أن السياسة الاقتصادية لحزب إعادة بناء اليابان مبنية على أسس السوق الليبرالية الجديدة، حيث إنها، على سبيل المثال، تدعو لإلغاء نظام الحد الأدنى للأجور. وكانت إدارة الحزب الليبرالي الديمقراطي لرئيس الوزراء السابق، جونيشيرو كويزومي، قد دفعت بسياسات اقتصادية شبيهة، لكن حياة الناس لم تتحسن والفقر أصبح واقعاً حقيقياً.

ويعرف عن الحزب الليبرالي الديمقراطي وحزب إعادة بناء اليابان مواقفهما المتشددة حيال القضايا الدستورية، وهما يطالبان بتعديل الدستور، بما في ذلك مراجعة المادة 9 التي تنبذ الحرب، وممارسة حق الدفاع الذاتي الجماعي.

والتفسير التقليدي الحكومي للدستور هو أنه يمنع اليابان من ممارسة هذا الحق. وإذا سمح بممارسة الحق في الدفاع الذاتي الجماعي، فإن اليابان ستصبح قادرة قانونياً على اتخاذ إجراءات عسكرية للدفاع عن دولة أخرى بروابط قوية مع اليابان، إذا ما تعرضت تلك الدولة لهجوم عسكري من طرف ثالث.

تفسير جديد

ويجب الالتفات إلى واقع أنه فيما التعديل الدستوري يستلزم تأييد ثلثي الأعضاء في المجلسين التشريعيين للبدء باستفتاء وطني على التعديل، فإن تغيير تفسير الحكومة للدستور المتعلق بحق الدفاع الذاتي الجماعي، لا يتطلب مثل هذا الإجراء.

ويدعو الحزب الليبرالي الديمقراطي إلى تعديل المادة التاسعة في سبيل إيجاد قوة دفاعية وطنية. ومشروع التعديل يشير إلى أن القوة الدفاعية الوطنية المقترحة، يمكنها أن تلعب دوراً في الأنشطة التعاونية الدولية للمساعدة في حفظ السلام والأمن في المجتمع الدولي، وهو مفهوم يمكن استخدامه لتبرير مشاركة اليابان عملياً في أي نوع من المهام العسكرية في الخارج.

وحتى من دون تعديل الدستور، فإن الحزب الليبرالي الديمقراطي قد يحاول سن مشروع قانون يوسع نشاطات قوات الدفاع الذاتي ما وراء البحار. وأخذاً في الاعتبار العدوان العسكري الياباني في منطقة آسيا- المحيط الهادي في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي، فإن موقف الحزب الليبرالي الديمقراطي سيثير الشكوك حول النوايا الحقيقية لليابان بين دول الجوار وغيرها، مما يدمر ثقة المجتمع الدولي باليابان. وقد يؤدي أيضاً إلى سباق تسلح محتدم وزعزعة لاستقرار العلاقات في شرق آسيا، مما يهدد أمن اليابان.

وعلى الرغم من أن كارثة المفاعل النووي فوكوشيما سلطت الأضواء على المخاطر الكامنة من تشغيل مصانع طاقة نووية في تلك البلاد المعرضة للزلازل، إلا أن رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي، يعارض التخلص من الطاقة النووية.

وآبي الذي يدعو المصرف المركزي الياباني إلى تسهيل نقدي غير محدود وشراء سندات لتمويل إعادة الإعمار، يخاطر بإحداث تضخم من دون زيادة مهمة في الاستثمار، والوظائف ومستويات الأجور.

ويتعين على الناس أن يراقبوا عن كثب تصرفات الإدارة الجديدة.

سياسة دفاعية

 

يمكن أن يعمل الحزب الليبرالي الديمقراطي وغيره من الأحزاب الأخرى التي تطالب بممارسة الحق في الدفاع الذاتي الجماعي في اليابان من خلال تعديل الدستور، إلى سن مشروع قانون يغير التفسير التقليدي للحكومة لهذا الحق بدلاً من ذلك. وممارسة هذا الحق قد تفسح الطريق أمام القوميين اليابانيين بتوريط اليابان بصراع عسكري لا يؤثر عليها بشكل مباشر. وهذا سوف ينتهك السياسة الدفاعية اليابانية القائمة على "الدفاع فقط". كما أن مثل هذا القانون سوف يفرغ مبدأ "اللا حرب" في الدستور من مضمونه بالكامل.