زادت التكهنات، أخيراً، بأن الحرب الأهلية الدموية في سوريا قد تكون دخلت محطتها النهائية، في أعقاب التحذيرات الصارمة للرئيس الأميركي باراك أوباما وغيره من المسؤولين الأميركيين أخيراً، بأن الرئيس السوري بشار الأسد سيواجه "تبعات" و"ستجري محاسبته" في حال استخدامه أسلحة كيماوية ضد شعبه.

والنظام الآن يستخدم الضربات الجوية والمدفعية ضد الحارات المتمردة في عاصمته، بعد خسارته السيطرة على مساحات واسعة من شمال سوريا وشرقها، وقد امتنع على مدى الأشهر الـ 22 الماضية عن استخدام مخزونات أسلحة الدمار الشامل، وهو يعي أن القيام بذلك يمكن أن يجبر القوى الغربية المترددة على التدخل.

مكاسب على الأرض

ولا مجال للشك في أن قوى الثوار تمكنت من تحقيق مكاسب دراماتيكية على الأرض خلال الأشهر السابقة، مع تعزيز قدراتها في مجال المدفعية والصواريخ أرض جو، وهي تجتاح القواعد العسكرية النائية. وإسقاط طائرتين للنظام من قبل صواريخ سام، يشير إلى أن بعضاً من تشكيلات الثوار الآن بات لديه بعض الوسائل للدفاع ضد الضربات الجوية. وحامية النظام التي يزداد الحصار عليها في حلب تصارع من أجل الحفاظ على المدينة الثانية في سوريا، فيما الثوار أطلقوا الآن ما قد يكون هجوما مستمراً على العاصمة دمشق.

لكن على الرغم من كل هذه الإشارات، فإنه لا زال من السابق لأوانه التلميح إلى أن الحرب الأهلية على وشك الانتهاء. يقول جو هوليداي من مؤسسة دراسة الحرب لصحيفة واشنطن بوست أخيرا إن النظام لا زال لديه ميزة ساحقة في قوة النيران، وحدود أسلحة الثوار وعائق تنظيمهم قد يعني بأن نصرهم سيبقى بعيداً لأشهر عدة. يقول هوليداي: "ما نراه هو "تقليص" من النظام، والثوار كانوا ناجحين في إجبار النظام على التخلي عن مواقعه النائية".

والأراضي التي أجبر على التنازل عنها تشمل معظم الحدود السورية مع العراق وتركيا، وحقول النفط في الشرق. وبالطبع، على الرغم من بقائه اللاعب العسكري الأقوى في البلاد، إلا أن نظام الأسد لم يعد يسيطر على سوريا التي لم تعد تعمل كدولة مركزية واحدة. وفشله في تدمير الانتفاضة أو عكس مكاسبها بعد سنتين من القتال لا بد أنه أرسل إشارات إلى صانعي القرار الاستراتيجيين داخل النظام مفادها أن إعادة السيطرة على كامل سوريا قد يكون هدفاً بعيداً.

وتسيطر فصائل مختلفة من الثوار على جيوب من الأراضي على امتداد البلاد، وهي لا زالت بحاجة إلى تعزيز قوتها تحت قيادة عسكرية أو سياسية واحدة، أما المنطقة الكردية المستقلة بمحاذاة الحدود التركية، فقد تنازل عنها النظام إلى ميلشيات كردية على خلاف مع الانتفاضة. وحتى المدن الرئيسية، مثل دمشق وحلب، تحوي الآن "حدوداً" داخلية عرقية وطائفية تمر عبرها نيران المدفعية والهاون. والغائب هو الحل السياسي المتفاوض عليه.

أفضليات النظام

ومع ذلك، فإن هذا التقسيم لسوريا يمكنه، في عقول بعض الرجال المتشددين حول الأسد، أن يقدم أفقاً أوسع لإنقاذ سفينتهم في حال هزم النظام وحلت محله دولة مركزية قوية يهيمن عليها السنة. ونظام الأسد ليس دكتاتورية من نوع عبادة الشخصية بقدر ما هو نظام حكم وامتياز أقلية علوية. وما إن يقر أنه لا يمكنه حكم البلاد بأسرها، فإن منطق الجماعة الطائفي قد يكافح ضد معركة أخيرة بدون أمل في دمشق ذات الأغلبية السنية.

يقول الخبير في الشؤون السورية في جامعة أوكلاهوما، جاشوا لانديس، "لا أحد يدري بما تفكر به الدوائر الضيقة للنظام، لكن في حدود اتخاذ النظام لقرارات عقلانية، فإنه لا معنى مهم من اتخاذه "خيار شمشون" واستخدامه الأسلحة الكيماوية. وعلى عكس القذافي في ليبيا، فإن الأسد يحكم باسم جماعة، والقرارات الرئيسية قد لا تعود إليه وحده. والرجال الأقوياء في الطائفة العلوية لا يريدون الانتحار". وهذا يقول لانديس قد يجعلهم على الأرجح يفضلون تراجعاً إلى قلب المواقع العلوية على الشاطئ. وإذا كان هذا الأمر صحيحاً، فإن النظام، كما نعرفه، سيكون سقط، لكن الحرب الأهلية لن تكون قد انتهت.

وإذا تركت النواة الأمنية لنظام الأسد دمشق، فإن أمله الأكبر هو في انقسام سوريا إلى إقطاعيات متحاربة بدلاً من إعادة تشكلها كحكومة مركزية يهيمن عليها السنة.

جبهة النصرة

وانتصارات الثوار الأخيرة الأكثر أهمية في اجتياح قواعد الأسد سجلتها ميليشيات جبهة النصرة المتأثرة بالقاعدة، والتي تتزايد أعدادها، حيث يقدر الثوار أن لديها ما يصل إلى 10 آلاف رجل، كثير منهم يقوم بدور قتالي رائد على الجبهات.

وواشنطن قلقة إلى حد بعيد من البروز المتزايد لجبهة النصرة على الجبهات الأمامية للثورة، حيث أفيد أن إدارة أوباما تستعد لتسمية الجماعة منظمة إرهابية دولية. وتسمية جبهة النصرة منظمة إرهابية سيثبط عزيمة حلفاء أميركا في إرسال الأموال إليها.

وفي غضون ذلك، تفيد صحيفة السفير اللبنانية أخيرا الآتي: "كثيرون يتوقعون اندلاع معركة شرسة بين المتشددين وجبهة النصرة من جهة، والجماعات المسلحة الأخرى، تحت ذريعة توحيد الجيش السوري الحر.. والجيش السوري الحر لا يمكنه التوحد من دون حل قضية التشدد مرة والى الأبد. والبعض يعتقد أن هذا قد يحصل إذا وضع كشرط لإرسال السلاح".

والحروب الأهلية داخل الحروب الأهلية، بناء على الخطوط التي جرى عليها القتال في لبنان بين الفترة 1976 و1992 يمكن أن ينظر إليها على أنها افضل أمل للنجاة من قبل المتشددين في النظام الذين حولوا انتفاضة سوريا إلى حرب أهلية دموية منذ سنتين. والحرب تعمل على تفكيك الدولة السورية بشكل مستمر، وقد يستغرق بناؤها من جديد على شروط جديدة سنوات عدة بعد الدمار الشامل الذي لحق بها.

 

 

بلقنة

 

 

 

قرار النظام الاستراتيجي السابق بالتنازل عن المناطق الكردية إلى ميليشيا انفصالية، لا نية لديها لإطاعة أي سلطة في دمشق، يبدو أنه يعكس الأفضلية لبلقنة تلك المناطق من سوريا التي لا يمكنه السيطرة عليها. والنظام، بالتالي، يأمل أيضاً في رؤية أعدائه منقسمين بانشقاق في صفوف الثوار بين الجماعات الأكثر تشدداً وأولئك العلمانيين أو الإسلاميين الأكثر اعتدالًا. وحتى الآن، فإن سيطرة تحالف المعارضة السورية المشكل أخيراً في الدوحة بطلب غربي، على الوحدات القتالية على الأرض يبقى تطلعاً بدلاً من واقع قائم.