يُعدّ جدال الكاتبين كمبرلي و فريدرك كاغان في مقالهما المنشور أخيراً بعنوان "ما سنحتاجه في أفغانستان" بأن قوة قوامها 30 ألف جندي أميركي أو أكثر في أفغانستان ستمس الحاجة إليها بعد 2014 فرحا خاطئا بصورة أساسية. وعلى الرغم من أن أهدافهما، وهي منع الهجمات على الولايات المتحدة انطلاقا من المنطقة هي أهداف سليمة، إلا أن منطق الكاتبين وما يتوصلان إليه من خلاصات في ما يتعلق بالموارد المطلوبة يجافيهما الصواب. فمن الممكن الدفاع عن المصالح الأميركية على امتداد المنطقة بعد 2014 بقوة مرابطة في أفغانستان تتألف من 10 آلاف جندي أميركي أو أقل.

مصلحتان أميركيتان

للولايات المتحدة مصلحتان مهمتان في هذا الجزء من العالم، وهما منع الهجمات على أميركا وحلفائها، والحيلولة دون وصول الأسلحة والمواد النووية إلى أيدي المسلحين وسوف يقتضي حماية هاتين المصلحتين بعد 2014، أن تكون واشنطن قادرة على توجيه ضربات عسكرية دقيقة انطلاقا من تلك المنطقة، ولكنها لن تقتضي وجود عشرات الألوف من الجنود الأميركيين في أفغانستان.

وبتعبير آخر ، فإن الولايات المتحدة تؤدي بالفعل المهام المضادة للإرهاب المطلوبة في أفغانستان على امتداد الكرة الأرضية من دون حشد 15-23 ألف أو 30 ألف جندي أو الوجود اللوجستي والاستشاري الهائل الذي يصفه الكاتبان بأنه مهم. وعلاوة على ذلك فإنه لا وجود في أي دولة مضيفة للجهد الأميركي المضاد للإرهاب لقوات الأمن القومي بالحجم الهائل الموجود في أفغانستان والذي يزيد على 350 ألف جندي ورجل شرطة.

بعد ما يزيد على عقد من الزمان من التدريب وإنفاق عشرات المليارات من الدولارات على المعدلات، فإن هذه القوات الأفغانية ينبغي أن تكون قادرة تماما على التصدي لنحو 30 ألف مقاتل من رجال طالبان، وإيقاع الهزيمة، أو على الأقل احتواء طالبان بعد 2014 يعد مهمة ينبغي أن تقوم بها القوات الأفغانية وليس الأميركية.

وعلى الرغم من أن زيادة عدد القوات الأميركية قد أسفرت عن كسب الكثير من المعارك، فإنها لم تؤد إلى أي تحسن يعتد به في حكم البلاد، أو التصدي للفساد الشامل فيها. وضروب النقص المتداخلة هذه لا يحتمل أن تتأثر بأي زيادة في أعداد القوات الأميركية قبل 2014، أو بعده.

واقتراح الكاتبين كاغان بالتزام غير محدود من جانب ما يربو على 30 ألف جندي أميركي سيكبد دافعي الضرائب الأميركيين ما يزيد على 30 مليار دولار سنويا. وهذا مبلغ يتجاوز بكثير المساعدة الأميركية الراهنة لكل من إسرائيل ومصر وباكستان مجتمعة.

والدفاع عن المصالح الحيوية الأميركية لا يقتضي قوة طويلة الأمد من هذه النوعية في أفغانستان بأكثر مما يقتضيه الدفاع عنت هذه المصالح اليوم في اليمن أو الصومال أو مالي. والمطلب بعد 2014 هو الوصول المؤكد إلى القواعد العسكرية عندما تمس الحاجة إلى ذلك والحفاظ على شبكات استخبارات قوية وجهد متواضع للتعاون الأمني وقوة صغيرة للعمليات الخاصة المضادة للإرهاب، واستجابة مضادة لانتشار الأسلحة والمواد النووية. وسوف تستمر البرامج السرية مثل برامج الطائرات الموجهة عن بعد في القيام بدور مهم أقل وضوحا. ويمكن أن تظل قوات متحركة أكثر نشاطا رهن الاستدعاء خارج أفغانستان إذا اقتضت الظروف عمليات ضاربة لمدة زمنية قصيرة.

إن القيام بتحديد مهام القوات الأميركية بعناية داخل أفغانستان يمكن أن يسمح لهذه القوات بأن تظل على استعداد للقيام بمهام تستهدف دعم المصالح الحيوية الأميركية بدلا من أن تستقطب إلى تأمين طرق الإمداد والقواعد العسكرية الكبيرة والأراضي الأفغانية. وستتمتع قوة أميركية أصغر وأقل بروزا بالميزة المهمة المتمثلة في أنها ستكون أقل استفزازا للشعب الأفغاني وهكذا فإنها يحتمل بشكل أكبر أن تحظى بدعم الحكومة الأميركية.

والمنطق الكامن وراء إصرار الكاتبين كاغان على انسحاب بطيء هو منطق هش في أفضل الأحوال، فكلما زاد عدد القوات الأميركية في أفغانستان، زاد عدد القتلى الذي نتكبده هناك. وهذه التضحيات ستكون مؤلمة ولكن يمكن تحملها إذا تمت ترجمة المستويات الكلية لقوات إلى تأثيرات باقية، ولكن هناك دليلا محدودا على أن إبقاء 68 ألف جندي أميركي في أفغانستان لعامين أو عامين آخرين و 30 ألف جندي بعد ذلك، سوف يضمن أي تأثيرات ممتدة وقابلة للقياس على الاستعداد القتالي للقوات الأفغانية وقدرات طالبان والملاذات الإرهابية في المنطقة. ويعد عددا أكبر من الضحايا الأميركيين ثمنا مرتفعا بالنسبة إلى هذه التأثيرات الهامشية.