يحمل رجل عجوز في غزة لافتة كتب عليها: "تأخذ المياه التي استعملها، وتحرق أشجار الزيتون التي أملكها، وتدمر منزلي، وتسلب مني وظيفتي، وتسرق أرضي، وتعتقل والدي، وتقتل أمي، وتقصف بلادي، وتجوعنا جميعا وتذلنا، لكن أنا الملام: فقد اطلقت صاروخا للرد على ما تفعله".
طرد السكان
ورسالة هذا الرجل العجوز تزودنا بالسياق الصحيح لتسلسل زمني تعاقب ليصل إلى الحلقة الأخيرة من العقاب الوحشي لغزة، وأي مجهود لتأسيس "بداية" لكل هذا، لا يمكن إلا أن يكون مضللا. فالجرائم تعود إلى عام 1948، واضطهاد أهل غزة أخذ أشكالا جديدة عندما احتلت إسرائيل القطاع في عام 1967، حيث نعلم من أحد العلماء الإسرائيليين أن هدف الحكومة الإسرائيلية كان دفع اللاجئين إلى سيناء، وإذا كان الأمر ممكنا دفع باقي السكان أيضا. والطرد من الضفة الغربية كان أكثر حدة بكثير، ولقد لجأت إسرائيل إلى وسائل تنطوي على الخداع لمنع عودة من يجري طردهم، في انتهاك صارخ لقرارات مجلس الأمن.
وقد تكون هذه الأهداف لا زالت حية، وقد تكون عاملا يساهم في تردد مصر في فتح الحدود لحرية مرور الناس والبضائع، التي يحول دونها الحصار الإسرائيلي المدعوم أميركيا.
وقد شنت إسرائيل هجماتها على غزة، وواصلت أميركا وإسرائيل رفضهما دعوات حماس لهدنة طويلة الأمد، وتسوية سياسية وفقا للإجماع الدولي على حل الدولتين الذي تستمر أميركا في الوقوف ضده منذ عام 1976.
وفي أواخر 2010، كرست أميركا جهودا مكثفة لوقف قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة بتحسين وضع فلسطين لتصبح "دولة مراقبة غير عضو"، ولقد فشل هذا الجهد، مما ترك أميركا في عزلة دولية غير مألوفة في 29 نوفمبر الماضي، حيث مر القرار بالأغلبية الساحقة في ذكرى تصويت مجلس الأمن عام 1947 على تقسيم فلسطين.
وبعد ساعات من التصويت في الأمم المتحدة أعلنت إسرائيل قرارها المضي بعملية الاستيطان في المنطقة "إي 1" التي تربط القدس الكبرى الممتدة على مساحة شاسعة والتي ضمتها إسرائيل بشكل غير قانوني، إلى مستوطنة معاليه أدوميم، التي تم توسيعها بشكل كبير تحت إدارة الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون بعد اتفاقية أوسلو، حيث تمتد الأراضي عمليا إلى أريحا، مما يشطر بشكل مؤكد الضفة الغربية، إذا أغلق ممر المنطقة "إي1" بالمستوطنات.
دعم أكبر
وقبل أوباما، منع الرؤساء الأميركيون جهود إسرائيل لتوسيع مستوطناتها غير الشرعية في المنطقة "إي 1"، لذا وجب عليها اللجوء إلى وسائل سرية، مثل إقامة مركز للشرطة في المنطقة. وكان أوباما اكثر دعما لتحركات إسرائيل الإجرامية ممن سبقوه، ونظل ننتظر ما إذا كان سيعمل على إبقاء العقوبة الرمزية، مع التغاضي عما يحدث، كما كان يفعل سابقاً.
وإسرائيل وأميركا تشددان على "المفاوضات المباشرة" بوصفها "السبيل الوحيد للسلام". وتشددان أيضا على شروط مسبقة حاسمة, أولا، يجب أن تكون المفاوضات تحت قيادة أميركا، في الوقت الذي يفترض أن تجري أي مفاوضات حقيقية تحت إشراف طرف حيادي يحظى باحترام دولي ربما مثل البرازيل، وتكون أميركا وإسرائيل على جهة من الطاولة، وباقي العالم على الجهة الأخرى. وشرط مسبق آخر، متروك ضمنيا، هو وجوب السماح باستمرار توسع المستوطنات الإسرائيلية، بشكل أو بآخر، كما حدث خلال "تعليق بناء المستوطنات" لفترة 10 اشهر، على سبيل المثال، مع إشارة من واشنطن إلى عدم موافقتها، فيما هي تستمر في تأمين الدعم المطلوب.
والدعوة إلى "مفاوضات مباشرة" من دون معنى تكتيك إسرائيلي قديم لمنع أي خطوة نحو التسوية الدبلوماسية التي بإمكانها إعاقة مشاريع إسرائيل التوسعية. بعد حرب عام 1967، جرت الإشادة بالدبلوماسي الإسرائيلي أبا إيبان، من قبل غولدا مائير وزملائها في الحزب العمل الحاكم، لنجاحه في التقدم "باستراتيجية لصنع السلام لإسرائيل" في الأمم المتحدة، تقوم على التشويش والمماطلة، وهذه بدأت "تأخذ شكل سياسة خارجية ثابتة على مبدأ الخداع" كما وصفها العالم الإسرائيلي، يافي راز. في تلك الأيام، كانت هذه التكتيكات تغضب المسؤولين الأميركيين، الذين كانوا يحتجون بقوة من دون أي تأثير يذكر. لكن الكثير تغير منذ أن تولى هنري كيسنجر إدارة دفة السياسة الخارجية الأميركية.
سياسة المماطلة
وسياسة المماطلة والتأجيل تعود إلى أوائل الاستيطان الصهيوني، الذي سعى إلى "تشكيل الوقائع" على الأرض، وفي الوقت نفسه إبقاء الأهداف غامضة.
وبالعودة إلى غزة، فإن عنصر التعذيب المتواصل للشعب الفلسطيني يتمثل في "المنطقة العازلة" لإسرائيل داخل قطاع غزة، التي يمنع على أهل غزة دخولها، وتشكل حوالي نصف الأراضي الصالحة للزراعة المحدودة في غزة، بحسب سارا روي، الخبيرة الأكاديمية في شؤون غزة. وفي الفترة من سبتمبر 2005 إلى سبتمبر 2012، قتلت القوات الإسرائيلية 213 فلسطينيا في هذه المنطقة، 17 منهم من الأطفال.
وعلى مدى هذه السنوات، أبقت إسرائيل غزة عند مستوى الكفاف، محاصرة من البر والبحر والجو. ولقد استخدمت إسرائيل معدات عسكرية أميركية متطورة للذبح والتدمير، واعتمدت على دعم الدبلوماسية الأميركية. ومع كل مأثرة من هذه المآثر كانت تضعف صورة إسرائيل في العالم.
والحجج التي تساق للهجوم كانت أيضا مألوفة، ويمكننا أن نضع جانبا التصريحات المتوقعة للقتلة في إسرائيل وواشنطن، ولكن حتى الناس المحترمين يسألون ما الذي يجب أن تفعله إسرائيل عندما تهاجم من قبل وابل من الصواريخ. وهذا سؤال وجيه، وهناك إجابات واضحة، منها الاتفاق على هدنة، كما بدا ممكنا قبل العملية التي تم شنها في 14 نوفمبر، كما يحدث في الغالب. كذلك يوجد رد حضاري ممكن. أميركا وإسرائيل بإمكانهما إنهاء الهجمات المتواصلة التي لا ترحم وفتح الحدود وتأمين متطلبات إعادة البناء، وأخيرا، دفع تعويضات لعقود من العنف والاضطهاد، إذا كان بالإمكان تخيل هذا الأمر.
ذات يوم، وهو يوم يجب أن يكون قريبا، سوف يرد العالم على النداء الذي اطلقه محامي حقوق الإنسان من غزة، راجي سوراني، فيما القذائف تنهمر مجددا على المدنيين العزل في غزة. " نطالب بالعدالة والمحاسبة، ونحلم بحياة طبيعية قوامها الحرية والكرامة".
