يجري حض الرئيس الأميركي باراك أوباما من قبل أوساط اليمين واليسار في أميركا، بعد التوصل إلى هدنة في حرب غزة، لإعادة إشراك وتجديد الجهود الأميركية لحل المسألة الجوهرية الخاصة بالسلام في الشرق الأوسط. وقبل أن يعود للانخراط في عملية صنع السلام التي سبق له أن اكتوى بنارها، فإنه ينبغي أن يسأل نفسه بعض الأسئلة الصعبة.
الافتراضات المحتملة
هل يعد السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين حتى ممكناً؟ وهل هناك من معاهدة يمكن الاتفاق عليها، أو فرضها، وتكون مقبولة لإسرائيل وللسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية ناهيك عن حركة حماس، التي خرجت من حرب غزة وقد حظيت بنفوذ جديد، بسبب وقوفها في وجه أحد أشرس أنواع القصف المكثف في عصرنا الحديث؟
وهل سيوافق رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، الذي ترأس عملية توسيع المستوطنات الإسرائيلية وانضم إلى السياسي المتطرف أفيغدور ليبرمان، الداعم للتطهير العرقي لعرب 1948، في ائتلاف لليمين الإسرائيلي المتشدد، على معاهدة تتطلب إبعاد عشرات الألوف من المستوطنين الإسرائيليين من الضفة الغربية، فيما هو عارض سحب رئيس وزراء إسرائيل السابق أرييل شارون بضعة آلاف من المستوطنين من غزة؟
هل نتانياهو سيوافق على أن تصبح القدس عاصمة فلسطين وإسرائيل، وهذا مطلب لا مجال للتفاوض بشأنه بالنسبة للدول العربية؟
وهل بإمكان السلطة الفلسطينية الاستمرار بعد التخلي عن كل حقوقها في القدس؟
وهناك طريق مسدود آخر في ميزان القوى في واشنطن.
إذا بدأ الرئيس الأميركي باراك أوباما في الضغط على إسرائيل لإبعاد المستوطنين من الضفة الغربية والقبول بإقامة العاصمة الفلسطينية في القدس، فإنه سيشعل عاصفة نارية بين المسيحيين الإنجيليين، واللوبي الإسرائيلي، والمحافظين الجدد، والكونغرس الذي منذ فترة قصيرة صفق تصفيقاً غير مسبوق لنتانياهو، على أثر تأنيبه باراك أوباما في البيت الأبيض. وأوباما حصل عل بعض الرصيد السياسي بانتصاره في الانتخابات، لكنه ليس بقدر كبير.
وفي المواجهة بين نتانياهو وأوباما حول المستوطنات والقدس، إلى جانب من ستقف وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، وغيرها من الديمقراطيين الذين يتطلعون إلى مواجهة عام 2016؟ أما بالنسبة للجمهوريين، فنحن ندرك سياستهم حول إسرائيل، وهي: "متفقون بالكامل، وحريصون على المصلحة المتبادلة مع تل أبيب".
البيئة المتغيرة
وهناك عائق ثالث يتمثل في البيئة المتغيرة بين إسرائيل والشرق الأوسط الذي اتسم بالطابع المتطرف أخيراً.
وإسرائيل الآن تنظر شمالاً إلى لبنان، حيث يملك حزب الله صواريخ أكبر وأكثر عدداً وأكثر تطوراً من تلك التي أطلقتها حماس. وما وراء الأكمة تقف تركيا القوية التي أعلن رئيس وزرائها أن إسرائيل دولة "إرهابية".
وإلى الشمال الشرقي تقع سوريا، حيث الهدنة، التي دامت 40 عاماً على مرتفعات الجولان، من غير المرجح أن تستمر بعد سقوط الرئيس السوري بشار الأسد، وحلول نظام سني محله يضرب جذوره في جماعة الإخوان المسلمين، أو دولة فاشلة مشبعة بالمتشددين والأسلحة الكيمياوية المنفلتة من عقالها.
وإلى الجنوب والغرب هناك حركة حماس، وسيناء التي هي أرض مشاع، ومصر التي تسيطر عليها جماعة الإخوان المسلمين، وملايين من مؤيديها يرغبون في رؤية معاهدة السلام الإسرائيلية وقد ألغيت.
وإسرائيل منعزلة الآن في منطقة معادية لوجودها، ربما أكثر في أي وقت مضى منذ حرب 1948.
وزمن رئيس وزراء إسرائيل الأسبق إسحق رابين يبدو تاريخاً قديماً، عندما كان لإسرائيل معاهدات مع مصر والأردن، وكانت قد دخلت في اتفاقية أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات. وعند النظر إلى الوراء، منذ اغتيال رابين وصعود نتانياهو، فإن الفرصة التي بدت متاحة ربما قد تكون قد ضاعت إلى الأبد. ويبدو الإسرائيليون الآن أنهم قد عهدوا مستقبلهم للتفوق العسكري المضمون أميركياً، بدلاً من مباحثات السلام.
دروس من الماضي
لكن ماذا يفترض بأميركا أن تظهره بعد عقود من التدخل في الشرق الأوسط؟
فعلى الرغم من تحريرنا للكويت، وأفغانستان، والعراق وليبيا، وعلى الرغم من إنفاق مئات المليارات من المساعدات الخارجية، فإن نفوذ أميركا لم يكن يوماً أدنى منه اليوم.
ووزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، التي قطعت زيارتها الآسيوية للسفر إلى إسرائيل ومصر، لم تكن أكثر من متفرجة في صفقة الهدنة. ولم يكن مسموحاً لها التحدث حتى إلى حماس، حيث تصفها أميركا بالمنظمة الإرهابية.
وهذا الأمر يثير الدهشة. فمن كان الزعيم الروسي جوزف ستالين عندما تحدث معه الرئيس الأميركي الأسبق هاري ترومان في بوتسدام؟ ومن كان الزعيم الروسي نيكيتا خورتشوف "جزار بودابست" عندما دعاه الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور إلى كامب ديفيد؟ ومن كان الزعيم الصيني ماو تسي تونغ عندما شرب نخبه نيكسون في بكين عام 1972؟
نحن نقيد أيدينا، ونتعجب لماذا لا يمكننا تحقيق النجاح في مساعينا.
