يعتمد ما إذا كان سيصبح الدستور المصري والذي اعد على عجل، في نهاية المطاف أساسا لنظام تعددي أو أداة لأغلبية إسلامية يعتمد على خمسة عوامل رئيسية.
وقبل تناول هذه العوامل بشيئ من التفصيل،
ومن وجهة نظر ديمقراطية ليبرالية هناك الكثير ما يدعو إلى الإعجاب في الدستور المصري الذي أعد أخيرا على عجل، لاسيما بالمقارنة مع الدستور الذي سبقه. على سبيل المثال، كاتبو مشروع الدستور لم يحددوا فقط لائحة طويلة من الحريات، كما فعل من سبقهم، لكنهم أيضا جعلوا الصياغة أكثر صعوبة من حيث إمكانية التفاف المسؤولين حولها. لكن الوثيقة تتضمن أيضا أموراً تثير القلق بالقدر نفسه. فهي تؤجل الإجابة عن مسألة الإشراف المدني على المؤسسة العسكرية حتى كتابة الدستور المقبل، أي بعد سنوات من اليوم، وهناك ثغرات ومسائل غامضة لا يمكن ملؤها إلا بالسياسة.
النقطة الحساسة
وهذه هي النقطة الحساسة التي تغيب عن البال غالبا، ومفادها أن السياق السياسي هو الذي يشكل على الدوام معنى النصوص الدستورية. والديمقراطية فشلت في العالم العربي ليس لأن الحكومات كانت تنتهك القوانين العليا للبلاد بشكل يومي، بل لأن الوعود الديمقراطية في الدساتير كانت بشكل عام غامضة، وتركت للبرلمانات إعطاء معنى لها عبر القوانين. وكان تأثير ذلك أن الحكام كانوا يتعهدون بمنح كل أنواع الحقوق، ثم يجعلون البرلمانات تسلب منها فحواها.
لذا فإن من المهم النظر إلى الدستور المصري الجديد كوثيقة سياسية نتاج ظروف معينة، وهي لن تشكل مستقبل مجموعة من الظروف فحسب، وإنما ستعمل داخلها أيضا.
وهذه الظروف المتعلقة بالمناخ السياسي في مصر كانت قد تغيرت بطرق إيجابية عدة في السنوات القليلة الماضية، وحل محل النعاس السياسي مجتمع مشارك بالعمق في السياسة. لكن السياسة التي عادت إلى الظهور، عادت في ظل بيئة تفتقر للوحدة وللقواعد التي تحدد وجهة السير. ففي الإعلام، تحلق الاتهامات والتصريحات المتطرفة، والموفقون اضمحلوا من الحياة السياسية، والمؤسسات التي يجب أن تقف على الحياد، لاسيما الجيش والقضاء، لم تتمكن من مقاومة المشاركة في اللعبة.
وكان بإمكان الدستور أن يساعد في هذا السياق على وجه الدقة. وعلى المدى القصير، كان بإمكانه البدء بمسار بطيء يعيد بناء الثقة من خلال استيعاب الجميع. وعلى المدى البعيد، كان بإمكانه تأسيس هيكلية سياسية أساسية ومقبولة بشكل واسع. لكن مشروع الدستور فشل دراماتيكيا في المهمة الأولى، وتعترضه معوقات في الثانية.
وكان خطأ قاتل قد دس في العملية في مارس 2011، عندما صممت لجنة صغيرة من الشخصيات القانونية على وجه السرعة نظاما سمح لأغلبية برلمانية بسيطة تسمية من تريد في الجمعية التأسيسية المعنية بصوغ دستور دائم للبلاد. وفي حينها، لم يكن واضحا بعد أنه ستكون هناك أغلبية انتخابية في مصر.
ضعف المؤسسات
والسماح للأغلبية بأن تحكم قد يكون أمراً صحياً في ظل ديمقراطية تعمل مؤسساتها بشكل جيد، لكن ليس عندما تكون البلاد ما زالت تحاول تصميم نظام مقبول بشكل واسع، فإنها بذلك توجد كثيراً من الخاسرين الحانقين وتكمم أصوات الذين هناك حاجة لسماع أصواتهم في بداية المسار. من جهتهم، ضغط الإسلاميون نحو التقدم إلى الأمام، وكانوا على استعداد لتقديم بعض التنازلات لخصومهم، لكن ليس بما يكفي لاجتذابهم حقاً، وحتى لو كانوا على استعداد لمنح المزيد، فليس واضحا ما إذا كان ستنتج صفقة تعكس حسن النوايا عن ذلك.
ومرسي أكد عزمه دفع المسار إلى الأمام، لكن هل سيضع الدستور، في حال نجح، أرضية ملائمة للعبة سياسية عادلة وديمقراطية على المدى الطويل؟
العوامل الخمسة
فالمرارة اليوم، وما يواكبها من سفك دماء، تجعل من حصول نتيجة مماثلة أمرا بعيد الاحتمال في المدى القريب. وما إذا كان سيصبح الدستور في نهاية المطاف أساسا لنظام تعددي أو أداة لأغلبية إسلامية يعتمد على خمسة عوامل رئيسية:
أولا: تعتبر القوانين التي يجري تطويرها لمنح مواد الدستور معاني واضحة قوانين مهمة، ويفترض إعادة كتابة مقاطع بنود حرية الصحافة والمنظمات غير الحكومية، إلى جانب توضيح بنود الحريات الدينية والقضايا الاقتصادية.
ثانيا، ستكون الانتخابات المعركة التالية. فإذا قاطعت القوى المعارضة الانتخابات، فإنها ستترك الميدان مفتوحا للإسلاميين. لكن حتى لو دخلت في المنافسة فإنها ستكافأ على نحو بطيء، وطالما تميل دفة الانتخابات للإسلاميين، فستكون الخطوات نحو الديمقراطية خطوات نحو حكم الشريعة.
ثالثا: الطريقة التي يشكل بها قادة مصر المنتخبون مؤسسات الدولة ستكون أمرا حساسا لتحديد معنى الدستور على صعيد الممارسة. والإخوان المسلمون كانوا واضحين، الإشراف المدني هو هدف طويل الأمد وليس أولوية مباشرة. ويعد الدستور الأزهر بالاستقلالية وبدور استشاري في قوانين الشريعة. لكن فيما يكسب الأزهر المزيد من النفوذ، سيجد عدة قوى سياسية تسعى إلى النفوذ في داخله.
وحتى الآن، فإن المحكمة الدستورية العليا ستبقي برئيسها وقضاتها، لكن مع تقاعد القضاة، فإن البرلمان قد يصيغ تشريعا يضمن إحلال شخصيات ملائمة له.
رابعا: مسألة من سيفسر البنود الإسلامية ويطبقها. وهناك للوهلة الأولى اختلاف محدود بين مواد القانون في المشروع وتلك المواد الواردة في دستور 1971. لكن معنى المواد الدستورية يمكن أن يتغير وفقا للشخص المسؤول. والدستور يقدم عنصرين جديدين. الأول هو البند القائل إن الأزهر يجب أن يستشار حول قضايا الشريعة. والثاني مادة تحدد "مبادئ الشريعة"، وأعضاء مجلس الشعب والقضاة يمكنهم استخدام تلك المادة الاخيرة أو تجاهلها.
خامساً وأخيرا، ما إذا كان الدستور سيستخدم في تحجيم موقع الرئاسة. فلم يتضح ما إذا كان كاتبو الوثيقة أمنوا الأدوات للقيام بهذه المهمة. والدستور يبدو رئاسيا اكثر مما كان متوقعا، ويبقى سلطات قوية في يد الرئيس، مثل اللجوء مباشرة إلى الشعب في استفتاء ملزم. وإذا وقعت السلطتان التنفيذية والتشريعية في أياد متنافسة، فإن الدستور الجديد قد ينتج طريقا مسدوداً.
لفترة طويلة، حلل المراقبون احتمالات قيام ديمقراطية في مصر من خلال التكهن حول نوايا السياسيين والحركات السياسية. لكن قابلية الديمقراطية للتطبيق على الحياة في مصر تعتمد ليس على النوايا، بل على المسارات الصحيحة والقواعد المتفق عليها والبنى ذات التصميم الجيد، وهذا الأمر يفترض أن يمنحنا القليل من الاطمئنان.
ضرر كبير
يوجد خراب مؤسسي ودمار سياسي كبيران في مصر، وسيصعب التغلب عليهما. فالإعلان الدستوري للرئيس المصري محمد مرسي، والإسراع في إصدار مشروع الدستور النهائي، لم يؤد فقط إلى اشتباكات في الشوارع، وإنما أيضا إلى تنافس بين الهيئات الحكومية. فالهيئات المهنية في البلاد منقسمة، والحرب داخل النقابات العمالية تشتعل، والقضاة احتجوا ويصعب رؤية كيف بإمكان هذه المؤسسة الخروج من هذه المحنة سالمة. والآلة الانتخابية بدورها ربما تكون قد تضررت بشدة، لأنها تعتمد على إشراف القضاة.
