حلقت طائرات من طراز "إف-16" على ارتفاع منخفض فوق ميدان التحرير، أخيرا. وكان الجيش يضيف طبقة ثالثة على الجدار الإسمنتي الذي يحصن القصر الرئاسي.

 وأعلن المتحدث الرسمي باسم حزب النور السلفي أنه: "فى حال تعرض الرئيس محمد مرسى للخطر ستقوم على الفور ثورة إسلامية، ولو قتل الرئيس ستقوم ثورة إسلامية بحكم إسلامي كامل على أرض مصر"، ويجري نشر أجواء من الخطر والأزمة، لكن لم تكن القوى العلمانية، اليسارية والليبرالية في مصر، قط هي من اشترك في عمليات القتل بدم بارد. ولو كنت في مكان الرئيس المصري، فإنني سأكون أكثر حذرا.

سياسة الإرضاء

وكان دكتور محمد مرسي يحاول إرضاء الكثيرين، ومنهم جماعة الإخوان المسلمين التي ينتمي إليها، والإسلاميون الآخرون الذي يجدون أن جماعة الإخوان ليست إسلامية بما يكفي، والأميركيون والدولة العميقة المشكلة من قوى نافذة في النظام السياسي.

ومطالب الثورة كانت واضحة: الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية. وفيما يتعلق بـ"الحرية"، فقد رفض دكتور مرسي إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية للدولة، بل وعين الرجل الذي كان رئيس شرطة القاهرة في عام 2011، عندما ذبح المحتجون في شوارع المدينة، وزيراً للداخلية. والناس لا زالوا يقتلون في السجون وفي مراكز الشرطة على امتداد البلاد.

وفيما يتعلق بالاقتصاد، أصبح واضحا أن برنامج الإخوان المسلمين هو في الأساس برنامج الرئيس المصري السابق حسني مبارك: فقد زار دكتور مرسي الصين مصطحبا معه بعضا من حلفاء مبارك الكبار في مجال الأعمال التجارية، ويتحدث مجتمع المصارف عن صفقات يجري عقدها من قبل مسؤولين رفيعي المستوى وأقاربهم، والاستدانة من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لم تعد إثما على نحو مفاجئ.

وفي هذه الأثناء، فإن الرئيس المصري قادر على إصدار الإعلانات الدستورية الأكثر تجاوزاً، لكنه غير قادر على السير في أصغر الخطوات المتعلقة بفرض الحد الأدنى للأجور وحدها الأقصى.

هكذا فإن مواقفه في مسائل الأمن والاقتصاد تسعى لإرضاء الدولة العميقة والولايات المتحدة الأميركية. لكن معظم المؤيدين للإسلاميين يريدون أيضا رؤية تغيير ثوري في الأيديولوجية الاقتصادية والممارسة الأمنية. فكيف يمكنه استرضاءهم؟ إنه يرمي لهم الطعم، الذي يشكل السلعة الرئيسية لكل خطيب ديماغوجي: سوف نطهر المجتمع، ونحكم بالشريعة. وكل من يرفض الدستور هو ضد الشريعة.

بالتالي، في سبيل التهرب من الوفاء بوعوده بـ "الحرية" و"العدالة الاجتماعية" لفترة قصيرة، قام الرئيس المصري بتقليد نفسه سلطات استثنائية من أجل الدفع باستفتاء على دستور مليء بالعيوب.

أمور غير متوقعة

وكان متوقعا أن يحتج مئات الألوف من الناس, وما لم يكن متوقعا هو أن يجري مهاجمتهم من قبل جماعات من الإخوان المسلمين بأسلوب الميلشيات، وهم مسلحون بالعصي والهراوات والسكاكين والبنادق، أو أن تصرح قيادة جماعة الإخوان المسلمين بأن قتلى الإخوان في الجنة، وقتلى المحتجين في النار، أو أن يعلن المرشد الأعلى للجماعة، على شاشة التلفزيون، أن الرجل في الضمادات في الملصق خلفه كان شابا قتيلا من الإخوان المسلمين، فيما هو في الواقع أحمد فيصل، أحد الجرحى المحتجين، أو أن تنطلق مجموعات من الإخوان المسلمين إلى المشرحة، محاولة الاستيلاء على جثث القتلى وإقامة مآتم لهم تخص الإخوان المسلمين، كما في شهادة شقيق الضحية محمد السنوسي.

والقتيل من الإخوان المسلمين هو شهيد، فيما القتيل المسلم هو سفاح. وماذا عن كرم جرجس المصري القبطي؟

وبناء على هذه الخلفية، التي تظهر محاولة الرئيس المصري استرضاء الناخبين الإسلاميين، والاستيلاء على هوية البلاد، يفترض رؤية الصراع الحالي على الدستور.

فلو كان زعيما يريد توحيد البلاد لكان قد استخدم دستور مصر لعام 1971 إلى حين انقضاء هذه الأوقات الصعبة. لكن مجددا لدينا رئاسة ترى المصريين يقتلون إخوانهم المصريين في الشوارع، قبل أن تضع جانبا السياسات الحزبية وتحاول قيادة مصالح الشعب بأمانة.

 

 

 

خيبة الأمل

 

 

 

إذا قالت الثورة اليوم إن الرئيس المصري محمد مرسي خسر شرعيته، فذلك يعود لأن أغلبيته الضعيفة جاءت من قطاعات من الثورة صوتت له في سبيل إبعاد المؤسسة العسكرية والنظام السابق. ولقد خانهم الآن. وكانت أفضل العقول في صفوف جماعة الإخوان المسلمين تغادر الجماعة، بعد أن أصبحت سياساتها غير الجامعة أكثر وضوحا، ودرجة التزوير وكثرة تغيير الوجوه على نحو مفاجئ، صعبا على الهضم.

وهناك ألوف من السلفيين يحيطون بالمدينة الإعلامية، وهي مقر محطات التلفزة غير الحكومية. وتلتقط كاميرا فيديو رجلا ضخما ملتحيا يكمم بيده فم امرأة تتظاهر، هي شاهندة مقلد، المتمرسة في الاحتجاج. والرجل نفسه سيظهر في صورة رسمية وسط حشد يحيط بالرئيس. وفي الفيديو تبعد شاهندة اليد عن فمها قائلة: لن نسكت.