نجح الرئيس الأميركي، باراك أوباما، المعاد انتخابه لولاية ثانية في إحياء أفضل ما عنده، فيما كان يلقي خطاب الفوز أمام مؤيديه، أخيرا، والدموع تملأ عينيه، واعداً بأن الأفضل لم يأت بعد، وانه سيكافح عن كل الأميركيين من أجل إيجاد أرض أحلامهم وتحقيق الحلم الأميركي.
لكن هناك هوة كارثية تزداد اتساعا بين الوعد الذي كان يقدمه والحقائق الصعبة التي تقف أمامه وتواجه أميركا اليوم. يصرح أوباما قائلا: "نريد أن يعيش أولادنا في أميركا لا تثقلها الديون، ولا يضعفها عدم المساواة، ولا تهددها القوة التدميرية لكوكب ترتفع حرارته".
وفي كلامه ما يحث على القول" "استمر في الحلم".
غياب الكفاءة
ولا يمكن أن يكون هنا شك بنوايا أوباما الحسنة، لكن السنوات الأربع الأولى له في منصب الرئاسة برهنت على أن الكلمات والوعود الجميلة لا تصل بك إلى ما تصبو إليه، كما أثبت أنه بمفرده يفتقر للكفاءة في المناقشات السياسية والجدل المحتدم اللذين يعدان ضروريين لتمرير التشريعات في مواجهة كونغرس أميركي يعرقل القرارات.
والمنتقدون يؤكدون أن انعزاله الفطري يمكن أن يخفي في كوامنه غياب القدرة على إظهار التعاطف مع محن الفقراء والعاطلين عن العمل، أو حتى فهمها. ويرونه على نقيض روبرت كيندي الذي كان قد أظهر عاطفة حقيقية وتصميماً عندما رأى الظروف البائسة للطبقات الدنيا في أميركا.
الخلافات الحزبية
وفي هذه الأثناء، يقف العجز المستمر وعبء الديون بقوة أمام قدرة الحكومة على التصرف، وهذان الأمران كانا يزدادان سوءا بسبب شجار الأحزاب السياسية، إما برفض دعم الزيادة في الضرائب من جانب الجمهوريين، أو برفض تخفيض استحقاقات الرعاية من جانب الديمقراطيين.
والرئيس السابق للاحتياطي الفيدرالي، بول فولكر، الذي قضى على التضخم باتباع سياسات مولعة بالصرامة، يكتب في العدد الحالي من مجلة "نيويورك ريفيو أوف بوكس" قائلا إن نظرة أميركا لنفسها بوصفها بلادا عظيمة مهددة، وذلك بسبب اعتمادها على تدفق الرساميل من الخارج، والادخارات الضئيلة ودخل الأسر الراكدة.
يكتب فولكر: "هذه ليست خصائص تعود لبلاد على استعداد، أو قادرة على إطالة زعامتها العالمية". ويضيف إن استطلاع الرأي الذي يثير إزعاجه يفيد بأن 20% فقط من الأميركيين يثقون بأن حكومتهم تقوم بالشيء الصحيح. يقول: "هذه لا تعد منصة يمكن أن تسير عليها ديمقراطية عظيمة وتستمر".
وما يجب أن يثير قلق أوباما أيضا هو كيف تنظر أميركا لنفسها؟ وكيف ينظر إليها باقي العالم؟ وأوباما نفسه أعلن قائلاً: "نريد أن ننقل للأجيال المقبلة بلادا آمنة وتحظى باحترام حول العالم، أمة يدافع عنها الجيش الأقوى عسكريا على كوكب الأرض، والجنود الأفضل الذين عرفهم هذا العالم، لكن أيضا بلادا انتقلت بثقة إلى مرحلة ما بعد الحرب، نحو صنع السلام القائم على وعد الحرية والكرامة لكل البشر".
الابتعاد عن الواقع
وخطاب أوباما يذهب بعيدا عن الواقع. لنسأل عن الإرث الأميركي في العراق، أو أفغانستان، أو على الحدود الباكستانية حيث الطائرات الأميركية الموجهة عن بعد، تجلب الموت غير المتوقع وغير المرئي من السماء، فتصيب الهدف أحيانا وتقضي على الإرهابيين، لكنها في معظم الأحيان، تقتل الأبرياء بمن في ذلك النساء والأطفال. أو حتى في أوكيناوا حيث اغتصب جنود أميركيون أوغاد مراهقتين. كيف ينظر العالم إلى القوة العسكرية الأميركية؟
لنسأل شعوب الشرق الأوسط حول وعود أوباما المتعلقة بمساعدتهم في جلب السلام إلى منطقتهم المليئة بالمشكلات. وكثير من العرب هتفوا لوعود أوباما الطيبة، لكنهم حائرون حول أسباب غياب أي تحرك له. وفي إسرائيل أيضا ينظر إلى أوباما بعداء، وذلك بفضل تشدد رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، والادعاءات المؤيدة لإسرائيل من قبل منافسه ميت رومني.
ولنسأل في الصين، حيث الآمال العظيمة لواشنطن بتشكيل قيادة مشتركة من القوتين العظميين، أميركا والصين، تكون قادرة على حل مشكلات العالم المشتركة، قد حلت محلها شكوك حادة بين هاتين القوتين، واستعراض للقوة على نحو متزايد من قبل القوة الهائلة المتوقع لها النجاح والتي ترى سياسة "التمحور نحو آسيا" لأوباما بانها موجهة ضدها.
التحديات الفعلية
وكان من المفترض أن تكون السياسة الخارجية الأميركية محور المناظرة الرئاسية الأميركية الأخيرة، لكن أوباما ورومني استمرا في الدوران والعودة إلى القضايا المحلية. وتشير أستاذة العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة برنستون آن-ماري سلاتر، إلى تلك المناظرة على أنها كانت ممارسة في النرجسية الأميركية. لم يذكر أي منهما لا حلف شمال الأطلسي "ناتو"، ولا الاتحاد الأوروبي أو منطقة اليورو، أو الهند أو إندونيسيا أو اليابان، أو التغير المناخي أو الجوع أو الفقر أو عنف المخدرات أو المياه أو النقص في الطاقة، أو أياً من التحديات الفعلية لأي زعيم في القرن الواحد والعشرين.
والعذر، طبعا، هو أن كل العيون كانت مشدودة نحو الناخبين في الولايات المتأرجحة، مثل أوهايو وفلوريدا. لكن هل الأميركيون إلى هذا الحد منغمسون بأنفسهم؟
وأوباما، في ولايته الأولى انطلق بوعود طيبة حول السلام في الشرق الأوسط وبناء علاقة جديدة مع الصين الصاعدة. ولقد انتهت ولايته بوضع متفجر في الشرق الأوسط، وبنفور الشعب الأفغاني وبمدنيين باكستانيين ساخطين على غارات الطائرات الأميركية الموجهة عن بعد، وبعلاقة شائكة مع الصين. وكل هذا يعني أن أوباما بولايته الثانية سيتعين عليه تجاوز هذا الحاجز وأن يكتشف سبل الإقناع السياسي، وإلا فإن أميركا قد تكون في طريقها بسرعة إلى الأفول، وهي الحالة التي تواجه كل الإمبراطوريات العظمى.
حقائق صعبة
تفيد الحقائق العائدة للعقد الماضي بأن الطبقات الدنيا في أميركا كانت تزداد حجماً، وأن الأغنى بين الأميركيين ونسبتهم 1%، بل الأكثر ثراء ونسبتهم 0.1%، استمروا في الإثراء، فيما 99% من الأميركيين كانوا يكافحون وهم يشاهدون دخلهم يتراجع ووظائفهم مهددة وحصول أولادهم على وظائف غير أكيد بتاتاً. والحراك الاجتماعي والاقتصادي الذي هو في صلب الحلم الأميركي، وهي فكرة أنه أيا يكن بإمكانه أن يحقق النجاح، أصبح الآن في وضع مزر أكثر مما هو في قارة أوروبا العجوز المنهكة.
