كان يبيع كتبا في كشك على قارعة الطريق في نيروبي، قبل أن يمتهن التصوير، ويكسب عددا كبيرا من الجوائز عن صور التقطها لأحداث سفك الدماء القبلية في أعقاب نتائج الانتخابات العامة في كينيا عام 2007. وبالنسبة للكثيرين، تبدو قصة البائع المتجول موانغي الذي أصبح مصورا من الطراز العالمي صورة مصغرة عن فكرة إفريقيا الصاعدة: قارة عملاقة تستيقظ من الفقر والكوارث، وتنفجر بالأمل والفرص حاليا. ويقول موانغي "إفريقيا تنهض، لكن هناك الكثير من الغضب والعقبات على الطريق".
تقدم حقيقي
والأمر ليس كما يقول المتهكمون إن إفريقيا لن تتجاوز الدكتاتوريين والكوارث، ذلك أن تقدم إفريقيا هو تقدم حقيقي ودراماتيكي، ومؤسس الآن بشكل متين. وانتقال المغني الإيرلندي بوب غيلدوف من تنظيم المساعدات "لايف إيد" إلى تأسيس صندوق أسهم خاص بالتركيز على إفريقيا، هو رمز لهذا التحول، حيث يقول: "قد يكون هذا القرن إفريقياً".
لكن إذا كان التشاؤم بمستقبل إفريقيا قد عفا عليه الزمن، فإن التفاؤل الزائد يعد سابقاً لأوانه. فتقدم إفريقيا على الرغم من أنه حقيقي، إلا أنه لن يكون سلساً. تاريخيا، جاهدت القارة تحت حالة من عدم المساواة الحادة والطغيان الفظ. واليوم، فيما تصبح الاقتصادات الإفريقية أكثر عصرية، فان حكامها في الغالب ليسوا كذلك. وفي كثير من البلدان، يوجد فساد مع إفلات من العقاب. ويقول رئيس الأساقفة امريتوس دزموند توتو: "باستثناءات بارزة قليلة، قادتنا ليسوا جزءا من الحكومات التي تجري مساءلتها على أفعالها".
دروس الربيع العربي
لكن الربيع العربي أظهر ما يمكن أن يحدث عندما تفشل أنظمة متصلبة فاسدة في مشاركة مكاسب النمو القوية، أو منح المزيد من الحرية السياسية لشباب متعلم وعلى تواصل جيد. وكل هذه المكونات موجودة بنسب أكثر تفجرا في إفريقيا. فمتوسط العمر في إفريقيا هو 19 عاماً فيما متوسط العمر في الشرق الأوسط هو في العشرينات. وبفضل المساعدات الأجنبية، فإن مئات الملايين من الأفارقة اصبحوا أكثر تعليماً، ويتوقعون وظائف مجزية أكثر. وبحلول 2016، يتوقع أن يكون هناك أكثر من مليار هاتف نقال رهن الاستخدام في القارة، مما يتيح لكل إفريقي تقريبا النفاذ للأداة الأكثر أهمية في الانتفاضة في القرن الواحد والعشرين. إنها وصفة لريادة الأعمال وللثورة في وقت واحد.
وعاصمة كينيا، نيروبي، التي تعد مركز الأعمال لشرق إفريقيا تحيط بهذا التحول الجاري في إفريقيا. فناطحات السحاب المشيدة من الحديد والزجاج تهيمن على مشهد بيوت القش من العصر الاستعماري، والسيارات الألمانية والسيارات الرياضية تملأ الطرقات السريعة التي كانت فيما مضى فارغة من السيارات، وباعة أجهزة شحن الـ"آي باد" على إشارات المرور، كلها إشارات إلى التغيير في كل مكان. ومتوسط المداخيل تضاعف تقريبا في خلال عقد، وإذا استمر الاقتصاد في النمو بنسبة 5% سنويا كما هو متوقع، فان بلدا من الأكواخ سيصبح بلدا من أصحاب المداخيل المتوسطة بحلول عام 2016.
وأفريقيا تدين بانطلاقتها إلى مجموعة من المسرعات، وتقريبا جميعها خارجية، وحدثت في السنوات العشر الماضية: مليارات الدولارات من المساعدات، وعشرات المليارات من الدولارات في صورة شطب لديون خارجية، واهتمام متزامن بالموارد الطبيعية لإفريقيا لا سيما من قبل الصين، والانتشار السريع للهواتف النقالة، ولقد تجاوزت الاستثمارات في افريقيا معدل المساعدات بل أصبحت تشكل ضعفها.
التفاوت الاجتماعي
وفيما هذه الظواهر تجتمع في موجة تسونامي من التغيير على مستوى القارة، فإن تأثيرها المحلي يمكن أن يكون متفاوتا، ونيروبي هي مثال رئيسي على ذلك. وبالمرور عبر مركز المدينة في فترة الظهيرة، هناك يوميا احتجاجات من أطباء ومعلمين وأساتذة جامعات، كلهم يطالبون بزيادة في الأجور. وفي الليل لا يوجد في وسط المدينة المقفرة إلا جيش صغير من الحراس يحمون أعمالا مغلقة وراء أبواب حديدية موصدة ضد لصوص يأتون من المخيمات النائية. وجولة بالحافلة على الأحياء الفقيرة العملاقة لكيبرا التي يعيش فيها 250 الف نسمة، تشير إلى أن التنمية ومشاريع الدولة تنتهي عند حدودها.
وتعطي آسيا بعض المؤشرات عما سيجري لاحقا. والدروس من نجوم العولمة هي أن تحسناً اجتماعيا هائلا هو حتما مصدر لاضطراب اجتماعي هائل.
وفي إفريقيا بتاريخها مع النخب المنفصلة عن مجتمعاتها، والفساد واستخدام العنف لتحقيق الغايات، فإن الدرب إلى الازدهار على الأرجح سيكون اكثر تعقيداً. يقول غولديف: "الجزء المقبل من التنمية الإفريقية هو إيجاد الوظائف"
وتقدم الأحداث الأخيرة في جنوب إفريقيا مثالا على حكومات تدفع ثمن فشلها في مشاركة مكاسب النمو. وهناك تطورات أخرى في شرق وغرب إفريقيا مثيرة للقلق أيضا. فالتهميش يقسم الأغنياء والفقراء، لكنه أيضا يفاقم الخطوط القبلية والعرقية والدينية.
تحولات أخيرة
وفي ظل عدم الاستقرار هذا، يصعب تصور التطور والتقدم. لكن إفريقيا جنوب الصحراء بعدد بلدانها الـ 48 هي حتما مكان للتنوع والفرص. ومراكز القوة الاقتصادية الناشئة في العالم، تجد من السهل فهم إمكانات إفريقيا ومزالقها. والصين كانت السباقة في ذلك. فهي تمارس تجارة في الاتجاهين مع إفريقيا، ويتمثل ذلك غالبا في مقايضة البنية التحتية مقابل الموارد، وأعطت القارة تحولا في البنية التحتية بما قيمته 166 مليارا من الدولارات في عام 2011 (أميركا الشريك التجاري الأكبر لإفريقيا على امتداد زمن طويل سجلت 126 مليار دولار). يلي ذلك النفط والغاز في إفريقيا، والفحم الحجري والخشب والمعادن والمزارع إلى الهند والبرازيل وماليزيا وتركيا ودول الخليج. يقول غيلدوف: "هناك لعبة كبيرة جديدة تلعب في إفريقيا، لكن معظم الغرب يتجاهل هذا العملاق الجيو- استراتيجي".
وهذا الوضع حتما سيتغير، فالمنطقة الساحلية لموزامبيق "روفوما-1 " لديها احتياطي من الغاز الطبيعي أكثر من ليبيا، فيما التقديرات الأولية تشير إلى أن الصومال لديها نفط يوازي الكويت. والقارة لديها 60 % من الأراضي الصالحة للزراعة غير المستخدمة في العالم. وكما يقول غيلدوف: "في النهاية علينا جميعا التوجه إلى إفريقيا. فلديها ما نحتاجه".
