تعد مالي، الدولة الواقعة في غرب أفريقيا، ساحة لأزمات عدة في الوقت نفسه. وعلى هذا الأساس، تزداد الدعوات للتدخل العسكري الأجنبي فيها قوة. ومالي التي لديها مساحة بحجم فرنسا قد أصبحت ملجأ لمجموعات مسلحة خارج السيطرة، مما يشكل كابوسا أمنيا لمجمل منطقة غرب أفريقيا، وما وراءها. لكن التدخل العسكري الخارجي بحد ذاته لن يكون كافيا لمعالجة الفوضى هناك بشكل فعال، فالقوى الخارجية سوف تحتاج إلى تعاون منظمات المجتمع المدني المحلية والإقليمية.

ولقد عانت شرعية الدولة في مالي، التي كانت فيما مضى دولة ديمقراطية قوية في إفريقيا، من تهريب المخدرات والفساد والتغاضي عن التوترات العرقية وأشكال أخرى من الحكم الضعيف، وعندما تسربت المجموعات المسلحة إلى مالي، في نهاية الحرب في ليبيا، وجدت أرضية خصبة للمظالم من قبل المجتمعات المحلية. وفي غضون أسابيع، كان شمال مالي محتلا من قبل تحالف مؤقت من الفصائل المختلفة.

كيانات مؤثرة

وبعد سيطرتها على الشمال، فإن هذه المجموعات تحولت ضد بعضها. الحركة الوطنية لتحرير أزواد، وقاعدتها في مجتمعات الطوارق، خسرت في مواجهة المجموعات الأخرى الداعية لدولة إسلامية. والشمال الآن هو تحت حكم مزيج من الكيانات المؤثرة في السياسة والتي لا تنتمي إلى دولة من الدول، بتبعات خطيرة على أمن السكان المحليين وحقوقهم، لا سيما النساء والأطفال.

وفي أثناء ذلك، حول الجيش المالي إحباطاته إلى انقلاب عسكري في العاصمة باماكو بدلا من محاربة المتمردين، الأمر الذي زاد من زعزعة استقرار البلاد. وبفضل التدخل الدبلوماسي، من قبل المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إكواس) ، فإن المجلس العسكري سرعان ما وافق على عملية انتقال السلطة.

وبحلول أبريل الماضي، أدى هذا الأمر إلى تشكيل حكومة مؤقتة. لكن على الرغم من استعادة مستوى من النظام الدستوري، فإن الحكومة المؤقتة لا زالت تعاني من التوترات بين السياسيين المدنيين والجيش، ولم تمسك بقوة على ما تبقى من البلاد.

لا أفغانستان جديدة

والمجتمع الدولي حريص على منع بروز "أفغانستان في المغرب". وفي باماكو، تضاءلت المقاومة الأولية ضد التدخل الخارجي مع الضغط الدولي وزيادة فرص الوصول إلى أشكال مختلفة من الدعم، بما في ذلك الأعتدة العسكرية والتدريب.

والتدخل العسكري الخارجي في مالي، بموافقة من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 12 أكتوبر الماضي، يجب أن يستهدف استقرار الجنوب لاسيما باماكو، وتمهيد الطريق للحوار مع أطراف عدة في الشمال. لكن قوى سياسية وعسكرية خارجية عن منطقة الصراع لا تؤدي عملها جيدا عادة عندما تكون مهامها متعددة. ويتعين على منظمات المجتمع المدني المحلية والإقليمية أن تتدخل لمعالجة تعقيدات الأوضاع.

ومن المتوقع أن يدخل ما بين 3 إلى 4 آلاف جندي من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إكواس) إلى مالي قريبا، بدعم لوجستي من فرنسا وأميركا، وغيرها من الدول. لكن ماذا سيفعل هؤلاء الجنود تحديدا؟

الوضع في الشمال لا يمكن حله في اطار الدولة المالية إذا لم يجر العمل على استقرار الجنوب. وبينما يجري العمل على استقرار الجنوب، فإن مسار الحوار والمفاوضات مع القوات في الشمال لا يمكن أن ينتظر. وصعوبة التدخل تكمن في وجوب العمل على تمكين المسارين في وقت واحد.

خطر التدخل العسكري

وخطر التدخل العسكري في مالي هو أن ينتهي بالتركيز فقط على الحل العسكري في الشمال. وهذا سيتطلب قوات كثيرة، وسيشكل سيناريو ينطوي على مخاطرة. لم يسبق في أي مكان أن أثبت نهجا متشددا قائما فقط على الأمن أنه الطريق لعكس ما قد جرى، لاسيما عندما الراديكالية تنمو وتزدهر على المظالم المحلية. بالإضافة إلى ذلك، العديد من الإسلاميين المقاتلين في شمالي مالي هم طليقون، واحتلال الشمال سوف يدفعهم فقط إلى الدول المجاورة.

والتدخل العسكري في مالي يجب أن تصاحبه خطة واضحة للحوار والوساطة في سبيل دعم الانتقال السياسي والاستقرار في الجنوب، إلى جانب خطة مشابهة للتعامل مع اطراف مختلفة في الشمال. وعندما تضعف قدرة القوى العسكرية الخارجية التي تركز على الأمن، فإن منظمات المجتمع المدني يمكنها أن تلعب دورا مهما في المساعدة في تطوير مسارات الحوار.