عندما منح المستهزئون المتهورون من إسكندنافيا جائزة نوبل للسلام للاتحاد الأوروبي، اندفع الجميع نحو إطلاق النكات على إشادتها بالتزام الاتحاد الأوروبي «التصالح والديمقراطية وحقوق الإنسان». ولو لم يكن تنويه اللجنة عام 2012 أكثر من مجرد كلام خاوي المضمون، لكنا قرأنا قبل وقت طويل من الآن، استنكاراً لصعود سلطة الدولة القمعية والنازية الجديدة في اليونان، من المفوضين المعنيين في منطقة اليورو.
تهديد لحرية التعبير
ويشجب الاتحاد الأوروبي التهديدات الموجهة لحرية التعبير في المجر، تحت ظل رئيس الوزراء، فيكتور أوربان، بقوة. كما يقلق السياسيون الأوروبيون، ولسبب وجيه، بشأن مصير المؤسسات المستقلة، التي تقف في وجه النظام الديماغوجي الذي يلهب مشاعر الرعاع، ويلاحظون العنصر الفاشي في مداعبة اليمين الجديد في المجر لكراهية الغجر، واستعداده للانغماس في مخيلة انتقامية، مفادها أن البلاد يمكنها استعادة الأراضي التي خسرتها بعد الحرب العالمية الأولى.
أما بشأن مصير الديمقراطية في اليونان، فيعم الصمت، على الرغم من وجود كثير مما يمكن لقادة أوروبا التحدث عنه. والنقاط الحساسة لدولة فاشلة يمكن اكتشافها بالنظر إلى ما تخضعه للرقابة. في حالة اليونان، أظهرت محاكمة السلطات لكوستاس فكسفانيس، أنه قد ضرب على الوتر الحساس. وفيما تعيش اليونان حالة من التقشف دون نهاية في الأفق، وفيما الناتج المحلي الإجمالي لليونان ينكمش بنسبة 4.5 % عام 2010، وبنسبة 6.9 % في 2011، وهناك تنبؤ بانكماش بنسبة 6.5 % هذا العام، و4.5 % في 2003، تشير لائحة الأسماء التي نشرها فكسيفانيس لألفي يوناني بحسابات بنكية في سويسرا، إلى أن الذين لهم روابط جيدة مع الحكومة يتهربون من الأعباء التي تقع على الجماهير.
وتبرئة فكسيفانيس من تهم تخص قانون الخصوصية، كانت أقل أهمية مما تبدو عليه. فهذا القرار لا يعني أن حرية الصحافة مضمونة في اليونان. ونادراً ما كانت للصحافة المستقلة قوة يعتد بها على الأرض، حتى في الأوقات السعيدة. فمعظم محطات التلفزة والصحف في اليونان يجري تمويلها إما من الدولة أو شركات يملكها أغنياء، وأي من الطرفين لا يرغب في كشف الفساد. أما الجريدة اليومية اليسارية «الفثيروتيبيا»، التي على الرغم من عيوبها تحدت حكم الأقلية، فإنها قامت السنة الماضية بتقديم دعوى إشهار إفلاس.
وعدد محدود جداً من موظفي مؤسسات الأخبار اليونانية الباقية، هم الذين يرفضون فكرة التزام الصمت لصالح التمسك بشيكات أجورهم. وتطارد الدولة كثيرين منهم. يقول أحد مراقبي حرية التعبير لـ «غلوبال فويسيس»، وهو استريس ماسوراس: «ما زالت لدينا حرية التعبير المعترف بها من قبل القانون على المستوى النظري»، ويكمل حديثه عارضاً قائمة بحالات تهديد بالقوة لترهيب الصحافيين ضمن جملة من الممارسات.
فماذا عن سياسات التقشف المنهزمة التي قامت الترويكا المؤلفة من البنك المركزي الأوروبي والمفوضية الأوروبية وصندوق النقد الدولي بفرضها على اليونان؟ ولقد استخدمت السلطات مذكرة جلب قديمة لاعتقال سبيروس كاراتزافريس، بعد أن هدد بكشف محتويات بريد إلكتروني سري، كان بإمكانه توضيح كيف تمكنت «حزمة الإنقاذ» المزعومة للترويكا من دفع البلاد نحو الركود.
نقطة حساسة أخرى
وتمثل وحشية الشرطة نقطة حساسة أخرى في هذا السياق، بلا شك. ويقدم اليسار اليوناني ادعاءات مستمرة ضد التعاون بين من يفترض أنهم رجال الأمن والنظام وبلطجية من حزب «الفجر الذهبي» النازي الجديد. ولقد عرضت صحيفة «غارديان» تقارير تشير إلى قيام الشرطة بضرب متظاهرين معادين للفاشية، بعد اشتباكهم مع حزب «الفجر الذهبي». وصحيح أن اليساريين يدعون الجميع بـ «الفاشيين»، لكنهم يصدقون الكلام في هذه المناسبة، بينما يقوم حزب «الفجر الذهبي» ببناء حركة جماهيرية تسير تحت «شعار النازية».
ولقد قام تلفزيون الدولة باستبدال مقدمي برامج أخبار الصباح كل من كوستاس أرفانيتس وماريلينا كاتسيمي، بعد أن قالا إنهما يخططان لتتبع ما قالته صحيفة «غارديان» بهذا الشأن. ومراسل لتلفزيون الدولة، وهو كريستوس دانتيس، انضم إلى صفوف الصحافيين المنتهي أمرهم. فقد عينه رئيس التحرير لتغطية احتفالات مقبرة تحرير «ثسالونيكي» من الحكم العثماني. وكان على وشك نقل أخبار عن احتجاجات شعبية ضد وجود الرئيس اليوناني ورئيس الوزراء اليوناني في المدينة الثانية الأهم في اليونان، عندما تم إغلاق الكاميرا.
عودة الماضي المخيف
ويشدد عدد من الصحافيين على أن أثينا ليست بكين، لكنهم يصفون كيف أن الثقة التامة بالحرية التي كانوا مقتنعين بها في ما مضى تبدو الآن مهلهلة. وتقول المراسلة الصحافية من أثينا هيلانة سميث، إنها تشعر كما لو أنها تقف في وسط رمال متحركة. إذا فشل الائتلاف الوسطي، وحكمت مطالب الترويكا التأديبية عليه بالفشل، فإن المعارضة اليسارية في منطقة «سيرزيا» ستستولي على السلطة هناك. وبعد ذلك، قد يصل حزب «الفجر الذهبي»، فمن يدري؟. ولا يوجد ما هو بعيد عن الخيال في هذا المناخ من الخوف واليأس.
ويمكن القول، بكل تأكيد، إن التحالفات القديمة بين الحركات السياسية والحركات الدينية المتطرفة قد أعيد أحياؤها. وأخيراً، فقد قام متعصبون مسيحيون ونازيون جدد بالاحتجاج ضد عرض «مسرحية» في أثينا، وإدارة المسرح قامت بسحب المسرحية في وقتها.
والمشككون الإنجليز بمنطقة اليورو، لا يفهمون بأن الاتحاد الأوروبي كان قد قدم لشعوب أوروبا طريقة للهروب نحو مستقبل حر. في أوائل الثمانينيات، كان كبار السن يتذكرون حربهم ضد الاحتلال النازي، والشباب قد كبروا في فترة محاربة الدكتاتورية العسكرية. والانضمام للاتحاد الأوروبي كان يعني الخلاص من كل هذا. لكن كلاً من الفقر والخوف والقمع وترهيب السلطة، قد عاد أخيراً.
