في أعقاب ما يقارب ثلاث سنوات من البرامج الاقتصادية الفاشلة، تمر اليونان اليوم بالفترة الأكثر حساسية في تاريخها، منذ استعادة الديمقراطية في عام 1974. فقد فشلت البرامج الاقتصادية لليونان جميعها، لأنها كانت قائمة على وجهات نظر غير واقعية حول كيفية عمل الأسواق المالية.

العيوب الأساسية

والعيوب الأربعة الأساسية في الاستراتيجية الاقتصادية التي اتبعتها اليونان إلى الآن تتمثل بالآتي:

أولا، افترضت كل من حكومات الاتحاد الأوروبي، المصرف المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي أن الأزمة المالية الأوروبية الحالية هي مجرد أزمة سيولة، وليست أزمة ملاءة تتصل بالقدرة على إيفاء الدين. ففي ظل أزمة سيولة، تحتاج كل الدول التي تواجه ضغوطات إلى عمليات تمويل مؤقتة في سبيل الاستمرار في أداء دفعات دين قصيرة الأجل. لكن الأزمة الأوروبية، في الأساس، هي أزمة إيفاء دين، وهذا يعني أن الدول التي تعاني من أزمة فيها لا تفتقر فقط إلى السيولة من أجل تلبية دفعات دينها المستحقة لتاريخه، لكنها أيضا تعاني من نقص في النمو لتوليد ما يكفي من المداخيل للاستمرار في دفع التزاماتها في المستقبل. وهذا الأمر يحول عمليات التمويل المؤقتة إلى حالة دائمة، كما أظهرت الأزمة غير المحلولة لليونان.

ثانيا، إن برامج اليونان الاقتصادية والمالية فشلت مرارا وتكرارا، لأنها افترضت أن الدين اليوناني سيكون مستداما في المستقبل البعيد، وهذا يعني أنه جرى افتراض أن دين اليونان سيصبح ثابتاً أو بنسب متناقصة من الناتج المحلي الإجمالي للدولة، مما أشار إلى أن مداخيل كافية سيجري توليدها من خلال النمو من أجل خدمة الدين. والخطأ الرئيسي هنا هو افتراض أن الدين اليوناني سيكون مستداما، أو مدعوما بالكامل بالنمو الاقتصادي بعد مرور سنوات عدة، بدلا من أن يكون وضعه كذلك حالاً، وهو بالتحديد ما تحتاج إلى رؤيته الأسواق المالية لتكون على ثقة بأن الأزمة قد تم حلها بشكل متين، أخيرا.

وبسبب عدم جعل كل الدين السيادي اليوناني مستداما من اليوم الأول، لم تنجح إعادة هيكلة دين القطاع الخاص اليوناني في بداية هذا العام، في ضمان خدمة الاقتصاد اليوناني لكل دينه السيادي الباقي.

ثالثا، منح الدعم المالي المطلوب لحل الأزمة اليونانية قبل تحديد خسائر إعادة هيكلة الدين على نحو مناسب، وليس بعد تحديد تلك الخسائر. والقطاع الرسمي، المكون من المصرف المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي وعدد من الكيانات الحكومية في الاتحاد الأوروبي، استمر في تأمين القروض، قبل القيام بإعادة هيكلة للدين بالكامل. ونتيجة لذلك، اصبح الدين العائد للقطاع الرسمي هذا جزءا من مشكلة إيفاء الديون لليونان.

التحميل المبكر

رابعا، في ظل غياب تمويل بتحميل مبكر، بل على العكس اعتماد تمويل متعدد الأطراف بطريقة القطارة، لم تحظ اليونان بفرصة عادلة في المضي باستراتيجية ناجحة لحل الأزمة. والى يومنا هذا، لم تستطع اليونان إرسال إشارة تحظى بالمصداقية للأسواق المالية، تفيد بأن إعادة تسديد دينها لم يعد في خطر، وبان مقرضيها لا يخاطرون بمزيد من الخسائر في الرأسمال. وبناء على ذلك، فان كل التمويل الموافق عليه رسميا لليونان يجب تأمينه فورا، وليس فقط الدفعة الثانية من قرض بقيمة 31.5 مليار يورو.

واقتراحنا للتعامل مع هذه القضايا الحساسة قائم على فكرة بسيطة، مفادها انه في سبيل التوصل إلى حل كامل للأزمة، فان الدين السيادي لليونان يجب أن يصبح مستداما الآن، وليس في عام 2020، كما يفترض صندوق النقد الدولي. ونقترح أولا تخفيضا أو شطبا للدين اليوناني السيادي العائد للجهات الرسمية، بما يكفي ليضمن وصول الدين السيادي الكامل لليونان إلى كسر ثابت أو متناقص من الناتج المحلي الإجمالي.

ثانيا، ندعو إلى تمويل كبير بتحميل مبكر من الجهات الرسمية بما يضمن قيام اليونان بإرسال إشارات تحظى بالمصداقية للأسواق تفيد بأنها قادرة على إعادة تسديد الدين على المدى المتوسط. والنقطة الرئيسية هنا، أن التمويل الذي ستأخذه اليونان من مقرضيها الرسميين بمعزل عن حجمه، يجب أن تحصل عليه الآن.

ثالثا، نقترح إصدار ضمانات سندات حكومية مرتبطة بنمو الناتج المحلي الإجمالي، مما يسمح للمقرضين والمستثمرين في استعادة قدر ما يمكن من الخسائر على الدين القديم، بالتوازي مع انتعاش الاقتصاد اليوناني. وهذه عبارة عن أوراق مالية تسدد مبالغ إضافية، فيما ينمو الاقتصاد اليوناني متجاوزا خطا أساسيا للنمو متحفظا.