في إطار ردود الأفعال المختلفة على مجزرة غزة، والصور المفجعة للشهداء، والدمار على شاشة التلفزة، والتي أثارت الذعر، وحركت ضمير كل عائلة من القاهرة إلى بغداد، ومن الرياض إلى الرباط، ماذا يتوقع العرب الآن من قادتهم؟.

وجهات نظر مختلفة

وللوصول إلى فهم لوجهات النظر العربية، أجريت استطلاعاً للرأي محدوداً في عدد من الدول العربية المختلفة، باستخدام المكالمات الهاتفية ورسائل البريد الإلكتروني. وحاولت إدراك طبيعة الشعور الذي ينتاب العرب بشأن العدوان على غزة. هل كانت ردود أفعالهم غاضبة وساعية للانتقام؟ أم أنهم شعروا بالإذلال المؤلم، ناهيك عن نفاد الصبر مع قادتهم؟

وكانت الردود على معظم رسائلي متصلبة في الرأي، وأفادت بأن مصر والأردن يجب أن يجمدا معاهدتي السلام مع إسرائيل، وأن يغلقا سفارتي إسرائيل في كل من القاهرة وعمّان. وقال أحدهم لي: «ألم يدرك القادة العرب أن الجيل العربي الناشئ بعد تحرره من الدكتاتوريين، لن يتساهل بعد الآن مع السياسات المتخاذلة؟ يجب أن يعمل العرب والمسلمون الآن على إبراز قوتهم».

وهناك اقتراحان سمعتهما، ويستحقان أن يذكرا أمام الرأي العام الأوسع. أحدهم يدعو إلى قيام الرئيس المصري محمد مرسي، وأمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، ومسؤول سعودي كبير، وهو ولي العهد الأمير سلمان بن عبد العزيز آل سعود، بالسعي إلى عقد اجتماع طارئ مع الرئيس الأميركي باراك أوباما.

وأن ينقلوا له رسالة واضحة، مفادها أن حصار إسرائيل لغزة، واستمرار احتلالها، وسرقتها للأراضي في الضفة الغربية، أصبحت أموراً لا تطاق. وسياسة إسرائيل العنيفة لا تقضي على الفلسطينيين فقط، بل تشكل خطراً على مجمل النظام العربي، فلا توجد حكومة عربية بمأمن من غضب شعوبها. وهذا كان الدرس الرئيس للربيع العربي.

خيار واضح

والاتصالات التي قمت بها، تفيد بأنه يتعين على القادة الإقليميين منح أوباما خياراً واضحاً، يجب أن يقولوا له إنه إذا فشل في السنة الأولى من ولايته الرئاسية الجديدة عام 2013، في جلب إسرائيل إلى الطاولة للتفاوض على السلام، وإقامة دولة للفلسطينيين، فإن العرب سيضطرون لتخفيض مستوى علاقاتهم مع الولايات المتحدة.

وسيجري تجميد شراء الأسلحة الأميركية، وستغلق القواعد الأميركية في الخليج.

كما أن المساعدة الأميركية يمكن الاستغناء عنها. والتدخل الأميركي في الشؤون العربية لن يتم التسامح حياله بعد الآن، والحماية الأميركية لا قيمة لها، وغير مرغوب فيها، وهي تعرض العرب للاعتداءات الإسرائيلية لا غير.

يقول أحد الذين اتصلت بهم، إن منتجي النفط العرب واعون تماماً بأن أميركا لم تعد زبوناً رئيساً للنفط العربي. والتجارة العالمية بالنفط انتقلت نحو آسيا. وإذا أرادت أميركا النفوذ في المنطقة العربية، فإنه يتعين عليها تغيير سياساتها، وأن تصبح وسيطاً حيادياً فعلاً. وإذا لم يكن هذا الأمر ممكناً، فإن العرب سوف يتطلعون إلى مقصد آخر للحصول على المساعدة.

تغييرات جوهرية

أما بالنسبة للقادة العرب، فإنه سيتعين عليهم أيضاً أن يعوا التغييرات الجوهرية التي تحدث على المسرح الدولي. ولقد آن الأوان لنيل موقع جديد لهم في العالم، خارج المدار الأميركي.

وبعض المتصلين ربطوا الصراع العربي- الإسرائيلي بحرب أميركا الإقليمية الحالية غير المعلن عنها، والتي يقع الدافع وراءها في إسرائيل. وإذا عمل العرب على نسج تحالفات إقليمية، فإنهم سيصبحون قادرين على احتواء الاعتداءات الإسرائيلية، وحماية الفلسطينيين.

وسمعت اقتراحاً آخر جاءني من مصادر عدة، ويفيد بأنه يتعين على دول النفط العربية أن تنسق وتعزز مساعداتها المالية للاقتصادات العربية الضعيفة، مثل مصر وتونس واليمن. كما يتعين عليها رسم خطط لإعادة بناء سوريا، ما إن يجري التوصل إلى مخرج من هذا الكابوس الحالي في تلك البلاد. وفقط، عندما يستخدم المال العربي في الدفاع عن القضايا العربية، يمكن أن يكون الاستقلال العربي حقيقياً فعلاً.

فسألتهم: «هل يجب أن يستعد العرب للحرب مع إسرائيل؟» فكانت الإجابات كلها بالنفي. فالحل يجب أن يكون سياسياً، وليس عسكرياً.

واشتكوا من أن أوباما تراجع مجدداً في وجه إسرائيل واللوبي المؤيد لها. وتبنى الحجج الإسرائيلية القائلة إن إسرائيل لها الحق في الدفاع عن نفسها، وبأن حماس هي منظمة إرهابية.

وهذه صفعة للعرب. أليس هناك من أحد له الحق في الدفاع عن نفسه إلا إسرائيل؟ أليس من المسموح لبلاد أخرى بالسعي إلى الحصول على إمكانية الردع؟ فحماس حكومة منتخبة ديمقراطياً. أليست حماس مسؤولة أيضاً عن الدفاع عن شعبها؟

لكن أحد المتصلين قال: «حماس هي الملامة، لماذا عرّضت سكان قطاع غزة للهجوم؟ ولماذا أحرجت الرئيس المصري محمد مرسي؟ وهو يحتاج إلى منح كل انتباهه إلى أوضاع الاقتصاد المصري».

وأحد المحاورين استخدم عبارات صارخة، وقال: «لماذا يقبل العرب بأن يضربوا في العمق كل بضع سنوات، حتى يتمكن الإسرائيليون من الشعور بالأمان، ولكي ينتعش التحالف الإسرائيلي الأميركي مجدداً؟. والأسابيع المقبلة سوف تظهر ما إذا كان القادة العرب يلتفتون لآراء شعوبهم، أو ما إذا كانوا سيعمدون ببساطة إلى العودة إلى ما اعتادوا على القيام به.

 

 

السبب أميركا

 

 

 

في استطلاع للرأي محدود في آراء الشعوب العربية، سأل الصحافي المشهور باتريك سيل: هل يجب أن يستعد العرب للحرب مع إسرائيل؟. كانت الإجابات عن السؤول كلها بالنفي. فالحل يجب أن يكون سياسياً، وليس عسكرياً.

لكن معظم المتصلين، من بلدان مختلفة، كاليمن والجزائر والكويت، ألقوا باللائمة على أميركا في تسببها بمذبحة غزة. وقالوا إن الدعم الأميركي هو الذي يسمح لإسرائيل في قتل الفلسطينيين، والإفلات من العقاب. واشتكوا من أن أوباما تراجع مجدداً في وجه إسرائيل واللوبي المؤيد لها.