يبدو ظاهريا أن العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة قد جمع الفلسطينيين المنقسمين في موجة مشتركة من المشاعر الوطنية. لكنهم في الواقع، منقسمون أكثر من أي وقت مضى.

فحركة حماس التي تحكم غزة منذ عام 2007 هي في صعود، فيما حركة فتح، وهي الجماعة العلمانية التي سيطر عليها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات لفترة طويلة، والتي تحكم حاليا الضفة الغربية، بموافقة إسرائيل، تحت قيادة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، تعيش مرة أخرى حالة من التراجع.

صراع داخلي

وفي سبيل إحداث المزيد من الفوضى، فإن حماس نفسها تعيش صراعاً داخليا على السلطة مع رئيس الوزراء في غزة، إسماعيل هنية، ضد رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل. وكان مشعل فيما مضى يعتبر القائد العام، ولطالما قاد الحركة من المنفى في سوريا، وهو يحاول الآن جاهدا تأكيد سلطته. وفي أعقاب الهدنة الأخيرة، قد يكون هناك خلط للأوراق في الوضع الفلسطيني.

وأخيرا، حاز الجناح العسكري لحماس، والمعروف باسم "كتائب القسام"، على كثير من الثناء من مناطق غزة والضفة الغربية لوقوفه في وجه إسرائيل، من خلال إرساله صواريخ إلى عمق إسرائيل، قرب تل أبيب والقدس. وفي الضفة الغربية، كانت حماس تشهد صعوداً في شعبيتها، يمكن أن تتجاوز مستوى الشعبية الذي حققته عام 2006، عندما فازت بالانتخابات العامة بنسبة 44% من الأصوات في مقابل 41% لحركة فتح.

ولقد توجه ألوف الفلسطينيين، في الفترة الأخيرة، إلى الشوارع لدعوة كل من الحكومتين الفلسطينيتين إلى حل خلافاتهما والتوحد. لكن بعد ادعاء النافذين في غزة بقيادة إسماعيل هنية النصر في الحرب، فإنهم قد لا يكونون حريصين على تقاسم غنائم الحرب الدبلوماسية والسياسية مع غيرهم. ولطالما عارضوا جهود خالد مشعل في تشكيل حكومة وحدة يمكن أن تشمل حركة فتح، وأملوا في أن يحلوا مكانه في انتخابات داخلية ما زالت مستمرة إلى الآن.

العودة إلى الأضواء

والحرب قد ساعدت في عودة مشعل إلى الأضواء. بعد أشهر من العزلة، منذ إبعاده عن قاعدته في سوريا من قبل الرئيس السوري بشار الأسد لموقفه الداعم للثوار، تم اعتماده كالوسيط الرئيسي مع الرئيس المصري محمد مرسي.

وصوته ملأ مجددا أمواج البث العربي، فيما منافسوه داخل حماس في غزة بقوا في خنادقهم. وفي هذه الأثناء، فإن الرئيس الفلسطيني محمود عباس من حركة فتح، والذي لم يزر غزة منذ سنوات، يحاول التعويض عن خسائره السياسية بين الفلسطينيين من خلال الفوز بموقع لفلسطين " بصفة مراقب" في الجمعية العامة للأمم المتحدة. والحفاظ على سلطته يزداد صعوبة حتى في الضفة الغربية.

احتمال انتفاضة جديدة

ولقد اصطدم ناشطون مبتهجون بنجاح حماس مع القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية وشرق القدس. ويقول خبراء أمن إسرائيليون انه بعد ست سنوات من السكون المتوتر، ألقيت قنابل مولوتوف على منشآت إسرائيل العسكرية في الضفة الغربية أكثر من أي وقت آخر، منذ الانتفاضة الفلسطينية التي انتهت في عام 2005. ويقول بعض المحللين إنه كان من الممكن أن تنفجر الضفة الغربية في انتفاضة مفتوحة، لو استمرت حرب غزة.

والسلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس، والتي تعد أكثر ضعفا من أن تسيطر على المحتجين، مما هي في العادة، تقوم علناً بتأييد أفعالهم. فقد بقيت القوات الفلسطينية الموالية لعباس بعيدة، وهي التي كانت تتعامل بقسوة مع كل من يجرؤ على رفع علم حماس.

وفي طولكرم، في شمال الضفة الغربية، منعت القوات الفلسطينية الجنود الإسرائيليين من دخول المدينة مؤكدة أن ذلك في سبيل "حماية المتظاهرين". يقول رجل أمن في الخليل: "حماس محظور المساس بها، ولا أحد يمكنه أن يفكر في اعتقال أعضائها".

السباحة مع التيار

وقادة فتح الساعون إلى السباحة مع مد شعبية المحتجين، كان عليهم أن يقبلوا بأن تكتسحهم هذه الموجة الإسلامية. رئيس وزراء السلطة الفلسطينية سلام فياض، المدعوم بقوة من الحكومات الغربية، ناشد حماس بل والجهاد الإسلامي وهي المجموعة المسلحة الأكثر تشددا من غيرها، للانضمام إلى حكومته.

ويأمل مسؤولو فتح أن يفضي ما أنجزوه من حصول على اعتراف بفلسطين بـ"صفة مراقب" في الأمم المتحدة، إلى التمكن من الوقوف إلى جانب حماس أمام الفلسطينيين كمنتصرين، واحد على الأرض في غزة، والأخر على المسرح الدولي. الأمر الذي يمكنهم من التوصل إلى تنفيذ اتفاقات المصالحة العديدة التي تم التوقيع عليها في الماضي.

وكل من فتح وحماس هما في حالة دفاع. يقول المسؤول في فتح والمستشار الأمني السابق للرئيس عباس، محمود الجعبري، فيما هو يلف الأعلام المنصوبة في خيمة العزاء التي أقامها في الخليل لأحمد الجعبري، احد أبناء عشيرته ورئيس الجناح العسكري لحماس الذي أدى اغتياله من قبل إسرائيل إلى اشتعال الحرب: "بعد هذه الحرب، سينتهي عصر حركة فتح إلا إذا انضممنا إلى حماس".

 

 

 

 

صراع داخلي

 

 

 

في بداية هذه السنة، قال رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" خالد مشعل: إنه سيتنحى عن قيادة حماس، إفساحاً في المجال أمام مجيء شخص من غزة. لكن الآن سيطلب كثيرون منه إعادة النظر بقراره.

يقول باسم زعارير، الكادر الإسلامي من مدينة الخليل 6: قادة حماس في غزة اعتقدوا أنهم أحرار في بناء دولتهم، لكن الحرب أظهرت أنهم ضعفاء ومقموعون كالباقين مثلنا، ونحتاج إلى قائد من الخارج بإمكانه أن يسافر ويشكل جماعات ضغط لصالحنا.

والتصويت النهائي لمجلس الشوري لحركة حماس، وهي الهيئة المنظمة، جرى تأخيره بسبب حرب غزة. ومنافسو مشعل الذين يريدون نقل مقر حماس إلى غزة، يقولون إن أمثال هنية الذين كانوا يقاتلون "العدو الصهيوني" يستحقون تولي مسؤولية حركة حماس.