قد تكون الحرب الأهلية في سوريا الفصل الأخير في قصة تفكك منطقة الشرق الأوسط كما نعرفها، وفرصة الحفاظ على تماسك المنطقة تنزلق من قبضتنا، وكذلك فرصة إعادة بنائها على أسس أكثر ثباتا من التسامح والحرية والاستقرار الديمقراطي.

وتعد مصر وإيران دولتين لهما تاريخ عريق ومستمر وهوية وطنية راسخة. وتركيا هي كذلك أيضا، لكن هناك قضية الأكراد في تركيا الذين مازالوا غير مندمجين بدرجة كبيرة، وغير موثوق بهم من قبل أنقرة، وتغريهم الآمال بإقامة دولتهم القومية المستقلة.

تركيب حديث العهد

وفي المقابل، فإن كل دولة مهمة أخرى هي تركيب حديث العهد أنشأه البريطانيون، الذين رسموا الحدود مثل خطوط على ظهر مغلف، من دون أي اعتبار للاختلافات العرقية والطائفية.

وهذه الهيكلية الهشة للدولة كان يجري الإبقاء على تماسكها لعقود من قبل دويلات ودكتاتوريات، لكن مع انتشار الرغبة في الحرية من تونس إلى القاهرة إلى دمشق، خسر الدكتاتوريون قبضتهم على السلطة. والخطر هو أن تتشرذم تلك الدول.

في العراق، وبعد الإطاحة بالرئيس العراقي السابق صدام حسين، أملت الولايات المتحدة تشكيل ديمقراطية متعددة الأعراق ومتعددة الطوائف تقوم بما لم يستطع الطغاة القيام به، وهو منح كل تلك المجموعات حصة في مستقبل مشترك.

 ولقد تمكنت من القيام بذلك إلى حد ما، حيث خرجت الانتخابات بحكومات شاملة باستمرار، لكن المؤسسات في البلاد كانت فتية وضعيفة، وتئن بثقلها تحت وطأة الانفجار الطائفي الشامل في المنطقة. والصراع في سوريا يدفع العراق وغيره من الدول إلى نقطة الانهيار. وكان ابتعاد أميركا وانفصالها عن الوضع العراقي قد أغرى في الوقت نفسه السياسيين العراقيين بالتحول نحو حلفاء من الطائفة نفسها في سبيل البقاء.

الخطأ الأكبر

والخطأ الأكبر الذي وقع السنة الماضية تمثل في تحديد الصراع مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد على أساس أنه إنساني. فالنظام في دمشق كان وحشيا، ولقد جرى ذبح الكثير من الأبرياء. لكن ما حصل لم يكن تكرارا لما حدث في ليببا. ففي سوريا، يوجد كثير من الأمور على المحك.

ومع انهيار سوريا، ينجر كل من السنة والشيعة والأكراد إلى شبكة من الولاءات الطائفية الإقليمية. وكان كارل ماركس قد دعا عمال العالم لكي يتحدوا، متخطين حدودهم القومية. وقال لهم إن لديهم أموراً مشتركة فيما بينهم أكثر مما لديهم مع الطبقات الحاكمة التي تقمعهم باسم الوحدة الوطنية. وحض ماركس العمال على التخلص من "الوعي الزائف" المتعلق بالهوية الوطنية.

والأتراك يجري جرهم إلى الصراع في الشرق الأوسط، وهم خائفون جدا من أن ينفصل الأكراد في سوريا ويحفزوا أشقاءهم في تركيا أن يحذوا حذوهم. والصواريخ والقصف وقذائف الهاون أصبحت أمرا مألوفا على امتداد حدود إسرائيل وتركيا. وصرخة أنقرة ودعوتها حلف شمالي الأطلسي "ناتو" للمساعدة كان يفترض أن تلقى انتباه أميركا.

لكن أين هي الولايات المتحدة الأميركية من كل هذا؟ أمضت أميركا سنة كاملة وهي تحاول جلب الروس والصينيين للموافقة على قرارات غير مؤثرة في الأمم المتحدة "لوقف سفك الدماء"، كما لو أن موسكو سوف تتخلى عن الأسد، أو أن بكين تهمها فعلا الفوضى في الشرق الأوسط. والرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يعتبر رجلا عاطفيا، لكنه إذا اعتقد أن الأسد بإمكانه البقاء في السلطة، فإنه لن يفعل شيئا ليقوض سلطته.

ملء الفراغ

وأخيرا، تقدمت فرنسا لملء الفراغ الدبلوماسي من خلال الاعتراف بالمعارضة المشكلة حديثا، والممثلة لفئات واسعة من الشعب السوري. وينبغي أن تتبع أميركا خطى باريس، ومن ثم تعمل على معالجة أمور المعارضة الموحدة وتسليحها بشرط أن تسعى هذه الأخيرة إلى هيكلية شاملة في مرحلة ما بعد الأسد. ويعد وزن أميركا وتأثيرها في الأحداث أمرين مطلوبين، وترك الأمور للقوى الإقليمية التي مصالحها ليست مطابقة لمصالح أميركا، سوف يفاقم من تعميق الحالة الطائفية.