مضت الثورة المصرية، أخيراً، في منعطف بالغ الدقة مع قيام الرئيس المصري د. محمد مرسي، بمنح نفسه صلاحيات واسعة في مواجهة السلطة القضائية والمحاكم. وكان بعض المراقبين قد أعربوا في السابق عن مخاوفهم من أن جماعة الإخوان المسلمين، التي ينتمي إليها د مرسي، سوف تحبذ حكم الرجل الواحد، والصوت الواحد. وبالنسبة لهم، فإن هذه الخطوة الأخيرة تعد مؤشراً حافلاً بالنذر.

وقد نقلت وكالة رويترز، أخيراً، عن د. مرسي قوله: «لقد أرادني الشعب أن أكون حارساً لهذه الخطوات في هذه المرحلة، وأنا لا أحب ولا أريد، وليست هناك حاجة لاستخدام إجراءات استثنائية، ولكن أولئك الذين يحاولون نهش عظام الشعب ينبغي أن يوضعوا موضع المحاسبة».

ويقول د. مرسي أيضاً، إن الإعلان الدستوري الذي أصدره سيسري فقط طوال الوقت الذي ستستغرقه البلاد لصوغ دستور جديد. وهو ما يقوله السياسيون الذي وقفوا هذا الموقف من قبل. فهم يزعمون أن ما يطرحونه خطوة ضرورية على الطريق إلى الديمقراطية، ولكن الديمقراطية لا يتم الوصول إليها أبداً. والمنطق الذي يطرحه د. مرسي مفاده أنه لا بد له أن يحظى بهذه السلطة، لكي «يحمي الثورة»، كما لو أن المتظاهرين الذين أطاحوا بالرئيس المصري السابق حسني مبارك في 2011، أرادوا مبارك آخر في شكل مختلف، حيث إن د. مرسي يحصل على سلطات تفوق بكثير تلك التي كانت لدى مبارك.

وقد بادرت جموع المصريين إلى التدفق إلى الشوارع عقب إصدار هذا الإعلان الدستوري، واتخذ نزولهم إلى الشارع طابعاً عنيفاً في بعض الأحيان، ودان جميع القادة السياسيين والمعارضين الآخرين تقريباً هذا البيان الدستوري، وكان من بينهم عبد المنعم أبو الفتوح المرشح السابق في انتخابات الرئاسة. ولا شك في أن العنف أمر يدعو للأسف، ولكن ربما كانت الاحتجاجات هي الطريقة الوحيدة التي يمكن للمصريين بها منع الإخوان المسلمين من أن يتحولوا إلى دكتاتوريين جدد.

لا تسيطر جماعة الإخوان المسلمين على المؤسسة العسكرية، ولا على وزارة الداخلية، غير أن أياً من هاتين المؤسستين ليس بسبيله إلى الاندفاع للدفاع عن دولة مصرية أكثر ليبرالية. والهدف الرئيس للمؤسسة العسكرية المصرية، هو أن تحمي دورها في الحكومة ومصالحها الاقتصادية، ومسودة الدستور التي وضعها الإخوان المسلمون، تضع العسكريين خارج سيطرة المدنيين.

وطالما أن د. مرسي لا يتحدى هذه المصالح، فإن العسكريين ورجال الشرطة ربما سيدعونه يسيطر على المحاكم، وأجهزة الإعلام والقضاة. وهذه لا تعدو أن تكون وصفة للحكم على الطريقة الباكستانية، حيث نجد دولة ذات طابع إسلامي بصورة متزايدة، ولكن مع وجود المؤسسة العسكرية والمخابرات وسلطة مستقلة. وسيكون الخاسرون على الفور هم الليبراليون والصحافيون الغربيون الذين يوجدون في ميدان التحرير، ولكن، أياً كان ما يعتزمه د. مرسي، فإن النموذج الباكستاني ليس وصفة لمصر أكثر استقراراً.

وتعد الخطوة التي أقدم عليها د. محمد مرسي مربكة كذلك بالنسبة لإدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، التي درجت على الإشادة به لدوره في التوصل إلى إيقاف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس، وقد لقي الرئيس المصري إشادة باعتباره رجل دولة معتدلاً، ومع ذلك، فإن وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون لم تكد تغادر القاهرة، حتى بادر د. مرسي إلى القيام بخطوته، وربما كان قد اعتقد أن كل هذا المديح، يجعل من الأيسر بالنسبة له أن ينتزع المزيد من السلطة.

ومن الناحية العملية، فإن أوباما وكلينتون لم يعقبا بشكل قوي على الخطوة التي أقدم عليها د. مرسي، وذلك على الرغم من أن متحدثة باسم الخارجية الأميركية قد أصدرت بياناً فاتر اللهجة، يفيد، ضمناً، أن الولايات المتحدة لها «مخاوف»، ويدعو إلى «ضوابط وتوازنات». وقد استثمرت إدارة أوباما مكانتها في دعم حركة الإخوان المسلمين، التي رأت فيها حركة معتدلة، وقد لا تشعر بالحماس للإقرار بأن هذا الأمل ربما سيمضي في الطريق نفسه الذي مضت فيه عملية تجديد العلاقات مع روسيا، أو زعمها أن تيار الحرب آخذ في الانحسار».

 

تأثير أميركي

 

يجمع الكثير من المراقبين الغربيين على أن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، ينبغي أن تدين هذا الانقضاض على السلطة من جانب الرئيس المصري، ويأملون في أن يكون لذلك بعض التأثير في من يرغبون في الحفاظ على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة. أما إذا أصبحت حركة الإخوان المسلمين حركة تتسم بملامح مبارك، فإن ذلك سيكون ضربة للمصالح الأمريكية، ودليلاً إضافياً على انغلاق الشرق الأوسط، بعيداً عن النفوذ الأميركي.