يشير المراقبون الدوليون إلى أن أخطر ما في الإعلان الدستوري الذي طرحه الرئيس المصري محمد مرسي، أخيرا، هو أنه يجعل قراراته غير قابلة للمساس بها من أي كان، ولو أن هذا حدث في زيمبابوي لتعالت الأصوات منددة بذلك باعتباره صادرا عن نظام دكتاتوري، أما في مصر فإن البعض يحاولون تمريره وكأن العمل يمضي كالمعتاد في تحول ديمقراطي جانبه التوفيق.

ويبدو أن د. مرسي يلتقط الكثير من اللمحات مباشرة من أجندة عمل سلفه الرئيس المصري السابق حسني مبارك، وقد حاول بالفعل أن يبرر الإعلان الدستوري من منطلق أنه تدخل ضروري للتخفيف من وطأة التعقد السياسي، وأنه يستهدف تحقيق "المطالب الثورية واقتلاع بقايا النظام القديم".

ومن منظور هؤلاء المراقبين، فإن المرسوم الذي أصدره د. مرسي كان يمكن أن يمر قبل عام مضى، غير أن الرأي العام المصري نفد صبره منذ زمن طويل حيال المفهوم القائل إن الوسائل القمعية يمكن السماح بها في غمار السعي لتحقيق أهداف ثورية. وليست هذه المرة الأولى التي يحاول فيها د. مرسي انتزاع السلطة، ولكنها بالتأكيد المحاولة الأكثر ضراوة، ففي 12 أغسطس الماضي، أي بعد أقل من 6 أسابيع من توليه الرئاسة، اتخذ خطوته الأولى نحو إزالة الضوابط الدستورية المفروضة على السلطة التنفيذية، وذلك بإصداره مرسوما تضمن إبعاد المجلس العسكري الأعلى عن الساحة السياسية.

ومنح الرئيس سلطات تشريعية واسعة تتجاوز تلك التي كانت متاحة لمبارك. وفي إطار مناورة بارعة، نحى د. مرسي الإعلان الدستوري التكميلي الذي قصد به المجلس العسكري الأعلى الحد من سلطات القائد المدني المقبل، وأحال د. مرسي بدلا منه إعلانا يخول الرئيس سلطة إصدار التشريعات في غياب مجلس الشعب، وكذلك التدخل في العملية الدستورية. وفاقم من الأمر أن د. مرسي أحال القادة العسكريين إلى التقاعد بعد ساعات قلائل من إلغاء قانون الطوارئ.

ويشير المراقبون إلى أن أبرز ما في الإعلان الدستوري، الذي تتصدى له قوى المعارضة الآن، هو التحصين الكامل الذي يسدله على أجندة د. مرسي السياسية، بما في ذلك عملية صوغ دستور جديد، وقد كانت الجمعية الدستورية المؤلفة من 100 عضو على وشك الانهيار للمرة الثالثة، أخيرا، عندما انسحب من عضويتها 12 من الأعضاء الليبراليين والمسيحيين، مشيرين إلى أن توصياتهم يجري تجاهلها من قبل الجمعية التي تهيمن عليها أغلبية إسلامية. وقد أكدت هذه الانسحابات التي شملت شخصيات سياسية بارزة مثل المرشح الرئاسي السابق عمرو موسى، الطابع المشكوك فيه للعملية الدستورية التي تعرضت للهجوم مرارا وتكرارا، لعدم تمثيلها لقوى وطنية مصرية عدة.

ومن خلال تحصين الجمعية الدستورية من التحديات القانونية الوشيكة التي تسعى إلى حلها، فإن الإعلان الدستوري الذي أصدره د. مرسي قد ضمن بصورة فعلية أن الجمعية الدستورية الحالية سوف يقدر لها البقاء، وقتالا يكفي لكي تصوغ مسودة للدستور بغض النظر عن عيوبها.

ويلفت النظر أن مسودة الدستور، في إطار جهد واضح للتعمية على مضامينها الدكتاتورية وإسكات منتقديها، حفلت بالتنازلات المقدمة إلى الثوار والأقباط. ويبدو أن مد د. مرسي للمهلة المخصصة لصوغ الدستور شهرين آخرين قد أريد به تهدئة الليبراليين الذين اتهموا القوى الإسلامية بتجاوز مخاوفهم للانتهاء من عملية صوغ الدستور بأسرع ما يمكن رغم كل ما تحفل به المسودة من مشكلات.

وفي إيماءة أخرى موجهة إلى القوى الثورية، تضمن الإعلان الدستوري فتح الباب أمام إعادة محاكمة حسني مبارك وأعضاء آخرين في نظامه، بالإضافة إلى إعفاء المدعي العام المصري من منصبه.

ويلفت النظر أيضا أن الخطاب الذي استخدمه د. مرسي لتبرير استحواذه على السلطة تتعدد فقيه الإشارات واللمحات التي تماثل ما درج عليه مبارك. وفي الثالث والعشرين من نوفمبر، قال د. مرسي في خطاب ألقاه في جموع مؤيديه أمام قصر الاتحادية: "إن أولئك الذين يحاولون نهش عظام الأمة لا بد من محاسبتهم"، وهذا الأسلوب القائم على الإشارة إلى تهديدات غير محددة للأمن القومي يماثل أسلوبا أثيرا لدى مبارك، حيث كان يلقي اللوم على ما يسميه بـ"الأصابع الأجنبية" في إثارة القلاقل في الأيام الأولى لثورة 25 يناير.

إن الحقيقة التي تفرض نفسها في نهاية المطاف هي أن إعلان د. مرسي يظل بلا أسنان إذا لم يتقبله الشارع السياسي المصري، وبصفة خاصة إذا لم يتقبله القضاة الذي سيحسمون أمر سريانه أو إلغائه. ويعد الشجار مع المحكمين النهائيين في العدالة عادة معركة خاسرة، وهجوم د. مرسي على القضاء المصري ليس استثناء، وفيما ينطلق قضاة مصر محتشدين للدفاع عن ساحتهم في مواجهة تغول السلطة التنفيذية، فإن د. مرسي سيكتشف إلى أي حد تعد سلطاته من النوع الذي لا يمس حقا.

أفضل لحظة

 

أعلن الرئيس المصري د. محمد مرسي نفسه شخصية لا تمس قانونا، والسؤال الآن هو ما الذي سيفعله خصومه في هذا الصدد؟ لم يكن هناك وقت جيد لقيام دكتاتور بتفجير قنبلة، ولكن د. مرسي التقط فيما يبدو أفضل لحظة ممكنة، فكما أشار ناتان براون، فإن مصداقية مرسي كانت بعد أزمة غزة في أقصى ذراها ارتفاعا، كما أنه على الجبهة الاقتصادية حظي بأسبوع متألق على نحو مماثل، حيث تواصل في 20 نوفمبر إلى الاتفاق مع صندوق النقد الدولي على قرض قيمته 4.8 مليارات دولار، وشدد وزير المالية على أن القلاقل الأخيرة لن تعرض الاتفاق للخطر. وربما كان د. مرسي قد علق الآمال على إمكانية دمج الإعلان الدستوري مع هذه الإنجازات، ولكن تدفق أعداد هائلة من المعارضين للإعلان قلب المائدة كلية فيما يبدو.