استخدم الرئيس المصري محمد مرسي، السلطات شبه المطلقة التي حصل عليها في أواخر أغسطس، في سلسلة من التحركات، تهدف إلى جعل هذه السلطات بالذات بعيدة عن متناول اليد، على الأقل مؤقتاً. وقد ينجح في مسعاه، فالمعارضون المحتملون لخطوته تلك هم كثر، لكنهم منقسمون أيضاً، وكثير منهم جاهل سياسياً. ومن خلال توقيت مدروس بعناية، وسلسلة من المنافع لعدد من اللاعبين، قد يكون مرسي قد التف على أي معارضة محتملة. ودولياً، فقد حصل لتوه على استحسان لدوره في إنهاء القتال بين إسرائيل وحماس، وهذا على الأرجح يقدم له نوعاً من الحماية من الانتقادات الدولية، وبعضاً من الرصيد الداخلي لإظهار مركزية مصر.
استرضاء الناس
ويبدو الرئيس المصري مصمماً على استرضاء الناشطين في الشوارع، من خلال تقديمه تعويضات مالية لضحايا الثورة، وإعادة محاكمة المعتدين عليهم. وترى القوى غير الإسلامية في الجمعية التأسيسية، أن واحداً من مطالبها الأساسية قد تحقق. أما السلطة القضائية، التي تشكل رافداً للمعارضة بشكل واضح، بعد إلغاء دورها بشكل دراماتيكي في المرحلة الانتقالية، فقد تكون مرتبكة بعض الشيء حول كيفية الرد. فقياديون داخل صفوف حركة «الاستقلال القضائي»، يعطون، على ما يبدو، شحنة دافعة لمرسي، حيث إن نائب الرئيس، ووزير العدل، والنائب العام الجديد، كلهم أعضاء في تلك المجموعة التي وقفت بحزم ضد تلاعب النظام السابق بالقضاء.
والقرارات ليست كلها أخباراً سيئة، بالنسبة لأولئك الذين يأملون في انتقال مصر إلى الديمقراطية. فالنائب العام المقال، كان محتفظاً بمنصبه منذ أيام النظام السباق، وموضع ثقة قلة من الناس. والجمعية التأسيسية، المهددة بالحل باستمرار من قبل أمر من المحكمة، كانت تعمل بطريقة بدت أنها تعمق الخلافات. وكان غير الإسلاميين يعانون من مشكلة كسر هذه العادة في الدعوة من أجل تدخل عسكري وقضائي أجنبي، أما الإسلاميون، فقد نضبت صداقاتهم المحدودة التي نسجوها خلال عملية الانتقال. وكانت محاكمة عناصر من النظام السابق قد انحرفت عن مسارها بشكل جلي، فيما جرى التخلي عن ضحايا وحشية الجيش والقوى الأمنية. وتحركات مرسي تقوم بمعالجة كل هذه المسائل.
فترة وجيزة
لكن بمعزل عن الرغبة بتلك القرارات، فإن الرسالة الإجمالية يمكن إيجازها كالآتي: «أنا مرسي لدي القدرة الكلية. وفي أول رد فعل لي على تلك القدرة، أعلن أنني أصبحت أكثر قوة، لكن لا تقلقوا، هذا الأمر سيستمر لفترة وجيزة».
ومرسي سبق له أن بالغ في قراراته من قبل، عندما حاول للمرة الأولى التخلص من النائب العام. ومحاولته حشد السلطة في أغسطس نجحت جزئياً، لأنه استخدم السلطة التي حصل عليها بطريقة منضبطة، على الأقل حتى إعلانه الدستوري الأخير.
وهذه المرة، يمكن أن ترفض المحاكم قراراته، وأن تصطف قوى غير إسلامية سياسية عدة ضده، وقد تعترض المؤسسات الحيادية والهيئات المهنية على قراراته بقوة، باعتبارها غير شرعية. لكن فقط إذا تمكنوا جميعاً من القيام بذلك موحدين، يمكنهم على الأرجح أن يكونوا قادرين على إجبار مرسي على التراجع، أو على إيجاد طريقة تخفف من قوة سلطته. وليس من السهل إيجاد مكان يمكنهم الانطلاق منه للاستمرار في جهودهم. فمن يعارض هذه الخطوات لا يحتاج إلى الوحدة فقط، وإنما إلى وضع استراتيجية، وهذه لم تكن يوماً ميزتهم القوية.
وإذا فشلوا، قد يكون أمل مصر الأفضل في الديمقراطية عندئذ، هو في عملية تحول مرسي إلى ما يشبه القائد الروماني الدكتاتوري سنسيناتوس (520-430 ق.م)، الذي تخلى عن السلطة المطلقة، بعد إنهاء مهمته في هزيمة القبائل المنافسة. من المحتمل أن يستخدم سلطته من أجل حماية المسار الذي سيبني نظاماً ديمقراطياً تعددياً، بمؤسسات فاعلة تقوم بوظائفها. وهذا الأمر ليس مستحيلاً، لكنه يمثل طريقة غريبة في بناء الديمقراطية.
الفرعون الجديد
لقد قطع الرئيس المصري محمد مرسي شوطاً طويلاً، منذ أن طرح كمرشح رئاسي «احتياطي»، وقد ظهر اسمه كمرشح الإخوان المسلمين للرئاسة المصرية بعد انسحاب مرشح آخر له شخصية أقوى.
والمهندس الذي تحول إلى سياسي، أشاد به العالم، لعقده صفقة وقف إطلاق نار بين إسرائيل والفلسطينيين في غزة، وانتقد في الداخل بوصفه «الفرعون الجديد»، الذي استولى على سلطات الدكتاتورية، وخان الثورة التي أطاحت بالرئيس المصري السابق حسني مبارك.
وهذه ليست المرة الأولى الذي فاجأ بها د. مرسي أصدقاءه وخصومه، على السواء، من خلال مزجه بين رشاقة الحركة والقسوة، لكنه كان دوماً يضرب على الوتر الحساس لدى المصريين، الذين يخافون أن ينتهي بهم المطاف محكومين من قبل «مبارك جديد»، بعد كل هذه الآمال والتضحيات.
في أغسطس الماضي، ترك انطباعاً جيداً، من خلال التفافه على قادة الجيش الذين هيمنوا على مصر بعد إخراج مبارك من السلطة، من دون مواجهة.
ويحذر الكاتب الصحافي عبد الله حمودة: «هناك قضية ميزان قوى بين الجماعة من جهة، وبين القوميين والليبراليين الذين يبدون غير قادرين على توحيد أنفسهم، والخوف هو أن يؤدي هذا الوضع إلى هيمنة جماعة الإخوان المسلمين». وكثيرون يقولون إن مرسي تصرف بشكل غير منضبط، بالمقارنة مع نهجه تجاه الجيش في الصيف الماضي، فيما آخرون أشاروا إلى أن الأمر يعود إلى مقدار الدعم الذي يمكن أن يحصل عليه الرئيس المصري. يقول أحد المدونين في القاهرة: «هذه الخطوة يمكن أن ينجزها قائد يتمتع بشعبية ساحقة، لكنها أبعد بكثير من أن تكون لشخص منتخب فقط من قبل 51 % من جمهور الناخبين».
