لا بد من أن الرئيس المصري محمد مرسي قد سجل رقماً قياسياً في سرعة سقوطه من منزلة البطل إلى شخص مكروه. فمنذ فترة وجيزة، كان يتلقى التحيات من كل أنحاء العالم على براعته ودبلوماسيته المسؤولة، ونسب إليه الفضل في عقد هدنة بين إسرائيل وغزة، أنهت أسبوعاً من التصعيد في العنف الإسرائيلي، كما تم الإعراب عن آمال عريضة بأن يمهد الطريق لعصر جديد، يشير إلى تأثير مصري أكثر اعتدالاً في المنطقة.
تبدد الآمال
وفي غضون الأيام الأخيرة، تبددت كل تلك الآمال، ليس لأن الهدنة فشلت، فعلى الرغم من هشاشتها، إلا أنها ما زالت متماسكة، وإنما تحول هذا التفاؤل الواسع بسرعة إلى سخط وغضب في مصر، وإلى ما يقرب من اليأس في الخارج، ويعود سبب ذلك كلية إلى ما أقدم عليه الرئيس مرسي نفسه.
فقد مرر إعلاناً دستورياً منح لنفسه فيه سلطات جديدة واسعة، فيما بدا محاولة مضللة للاستفادة داخلياً من الإشادة الدولية به. وهذا الإعلان تضمن بنداً يفيد بأن القرارات الرئاسية لا يمكن إلغاؤها من قبل أي شخص كان، بما في ذلك القضاة. والإعلان، على ما يبدو، يجعل من الممكن أيضاً إجراء محاكمات جديدة لمن سبق أن اتهموا بالقتل خلال الانتفاضة في 2011. ومن بين الذين قد يخضعون للإجراءات القضائية الجديدة الرئيس المصري السابق حسني مبارك.
ولا حاجة لتعداد الطرق التي تعد بها خطوة د. مرسي أمراً مرفوضاً، وخطأ جلياً. فرئيس نقابة المحامين في مصر، وقف إلى جانب شخصيات قيادية في المعارضة لاستنكار الإعلان الرئاسي الذي يؤدي إلى «القضاء التام على استقلالية القضاء». واتهم المعارض المصري محمد البرادعي، الرئيس المصري محمد مرسي، بأنه نصب نفسه «الفرعون الجديد» لمصر. ومنتقدون آخرون وصفوا الإعلان الدستوري بأنه «انقلاب على الشرعية». ومن الصعب اعتبار أي من تلك الأوصاف خاطئة.
عودة الاحتجاجات
وأخيراً، عاد المحتجون إلى شوارع القاهرة، واشتعلت النيران في مكاتب الإخوان المسلمين في مدن دلتا النيل المضطربة. والشعارات المفضلة للمحتجين تصدرها «مرسي هو مبارك»، وهذا الشعار اختصر، ليس فقط الطبيعة القمعية للإعلان الدستوري الرئاسي، وإنما أيضاً الأخطار الحقيقية التي يمثلها. وإذا اعتقد مرسي أنه بذلك يؤسس لنظام حكم انسيابي، برؤية تهدف إلى تسريع انتقال البلاد إلى حقبة عصرية في ما بعد مرحلة مبارك، كما تشير بعض تصريحاته، فإنه قد أخطأ بشكل محزن.
كان من الممكن أن نرى مصر جديدة في ظل مرسي، مطبوعة على فعل الخير، بعد إعلانه هدنة غزة، مصر تبين أن المخاوف الراسخة حول طبيعة ونوايا الإخوان المسلمين لا أساس لها، مصر قادرة على استخدام تقاليد من المعرفة والدبلوماسية المتميزة في بناء مستقبلها، مصر مستعدة وقادرة على أداء دور إيجابي ومهدئ في منطقة غير مستقرة، ومصر التي تعاملها القوى الأخرى، لا سيما الولايات المتحدة، باحترام كشريك، ومصر التي يتمتع رئيسها بتفويض انتخابي وبرلمانها المنتخب في مراحله الأولى لصياغة الدستور. وكل هذه التغييرات كانت قد ظهرت في داخل مصر وخارجها، بوصفها الثمار الإيجابية الهائلة لانتفاضة عام 2011.
ومع الإعلان الدستوري، فإن كثيراً من هذه الأمور، إن لم يكن كلها، انقلبت رأساً على عقب. وأي محاولة لإعادة محاكمة كل أولئك الذي أدينوا بالفعل، تعيدنا بالساعة إلى الوراء، دون الحاجة إلى ذلك. وإعادة الصور التلفزيونية الملتقطة للرئيس السابق وهو يدخل إلى المحكمة على سرير مستشفى، ليست أمراً ضرورياً. والشكوك الكامنة بشأن جماعة الإخوان المسلمين ونواياها، ستعود لتطفو على السطح. وكانت الإشارات الصادرة عن مصر حتى الآونة الأخيرة ملتبسة، لكنها كانت إيجابية أكثر منها سلبية. أما الأن، فإن هذا التوازن قد انعكس بشكل حاسم. إذا كان مرسي يريد ازدهار مصر الجديدة، فسيتعين عليه أن يعيد النظر بإعلانه الدستوري.
