لم يجر الاحتفال بالذكرى السنوية الأولى للانتخابات الحرة في تونس (التي لا زالت بلا دستور جديد) بأجواء من الفرح. فالتوتر السياسي كان قد بلغ ذروته في أعقاب مقتل زعيم حزب "نداء تونس" في 18 أكتوبر الماضي، ورفض حركة النهضة التونسية إجراء أي حوار مع خصمها الرئيسي "نداء تونس"، وقيام "مخلصين لها" من حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، باتخاذ خطوات قانونية لحظر هذا الحزب.

وقبل هذا التوتر، كانت "الترويكا" الحاكمة قد ارتكبت هفوات كثيرة، لعدم معرفتها الاتجاه الذي ينبغي أن تسير فيه. وبسبب قلة خبرتها، وخلافاتها الداخلية والعداوة التي يكنها لها البعض، وانتقادات وسائل الإعلام القاسية، فإن "الترويكا" لم تساعد أحدا، ولا يوجد الآن من يساعدها. وعلى الصعيد الدولي، تعرضت صورتها للاهتزاز بشكل خطير، بعد أن صفق العالم لنجاح الإسلاميين وشركائهم المفتقرين للخبرة منذ حوالي سنة. فكيف وصلنا إلى ما نحن عليه الآن؟

التمسك بالسلطة

يذكر أن الترويكا خسرت شرعيتها القانونية في 23 أكتوبر الماضي، ذلك أن انتخابها كان لمدة أقصاها سنة واحدة. وكان من المفترض أن يقدم المجلس الوطني التأسيسي، الذي قام بتعيين أعضاء الحكومة، مشروع الدستور الجديد في ذاك اليوم، لكنه لم يفعل ذلك، ولم يحل نفسه أيضا.

ومن جهتها، فإن أحزاب المعارضة لم تطالب برحيل الحكومة لصالح الفراغ، كما يدعي المدافعون عن "الترويكا"، وإنما طالبت بحكومة توافقية، تعمل على تحقيق التوافق في الآراء، مع العمل على تبديل وزارتي الداخلية والعدل، وإنهاء كتابة الدستور والعمل على الإعداد للانتخابات.

لكن "الترويكا" ترفض التخلي عن أي شيء، وتقول: "أنا هنا، وهنا سأبقى!".

وتجدر ملاحظة أنه كان هناك سببان لمحاولات الانقلاب على الشرعية الانتخابية في اليوم التالي لانتخابات 23 أكتوبر، وللوضع الذي وصلنا إليه حالياً في تونس. أولا، لقد تم تشكيل حكومة على أساس تقسيم الكعكة بحسب الوزن السياسي، والخلفية النضالية وسنوات السجن، لكل من مكونات "الترويكا"، فيما كان عامة الناس يتوقعون حكومة مؤلفة من مستقلين بإمكانها إدارة المرحلة الثانية من عملية الانتقال.

ثانيا، تجاهل ما يدعى الدستور المصغر (التنظيم المؤقت للسلطات) للجمعية التأسيسية التابعة للمجلس الوطني التأسيسي، الالتزام الذي سبق مرحلة الانتخابات، وقرر تحديد ولاية المجلس الوطني التأسيسي، على نقيض كل الأعراف الديمقراطية.

ولقد تصرف المجلس الوطني التأسيسي كتابع لحكومة ترغب في السيطرة على كل شيء. وفي مناسبات نادرة، عندما تمكن ممثلو المعارضة من فرض حالة من التوازن، قامت "الترويكا" بممارسة إراداتها من خلال التصويت الذي كانت على علم مسبق أنه سيكون لصالحها.

وفي ظل غياب أي عمل ملموس من جانب المعارضة، فان جماعات المجتمع المدني ووسائل الإعلام كانت السباقة لإسماع صوتها ضد ممارسات "الترويكا"، التي تسيطر عليها حركة النهضة الإسلامية.

وكانت حركة النهضة قد تمكنت من كسب نفوذ واسع النطاق بعد 10 شهور فقط من توليها السلطة. وعينت جماعاتها في كل مكان، من الحكام إلى المندوبين إلى رؤساء الوفود في البلديات، إلى المدراء التنفيذيين والمدراء العامين في الإدارة العامة، ورؤساء وسائل الإعلام والمنابر السياسية.

لقد تمكنت حركة النهضة من وضع البلاد تحت سيطرتها بانتظار بدء الانتخابات المقبلة، لكن ماذا كسب باقي البلاد؟ لم يكسب شيئا تقريبا.

إنجازات متواضعة

أولا، تبقى البيئة الأمنية الضعيفة، وهي القضية الأكثر أهمية لان كل القضايا تعتمد عليها، فيما الاستقرار الاجتماعي مفقود تقريبا. وتتذمر المناطق من نقص فاضح في مشاريع التنمية الحقيقة. ولقد ارتفعت تكاليف المعيشة بشكل دراماتيكي. أما رجال الأعمال والمستثمرون المحليون، فينتظرون جلاء الأوضاع، في حين أن العدالة المرتبطة بعملية الانتقال السياسي لم تبدأ بعد، وعائلات الشهداء والجرحى خلال الثورة لا زالت تنتظر تلبية الوعود.

ونقص الثقة بين الحكام والمحكومين أدى إلى مطالبات من الجميع. فاندلعت الإضرابات والاعتصامات والتظاهرات التي ساهمت في تعقيد مهمة الحكومة.

وكان المتشددون قد أثاروا أحداثا مقلقة على امتداد البلاد في بيزرت، وزرزيس، وقابس، وسجنان، وسيجومي، وسليانة، وبير علي بن خليفة، والقيروان، وجندوبة، بالإضافة إلى الهجوم على السفارة الأميركية في بيرج دو لاك.

مشكلات داخلية

وفي داخل المجلس الوطني التأسيسي، كانت هناك حوادث عدة بين "الترويكا" والمعارضة أثرت على العلاقات بين أطرافها، وساهمت في زيادة عدم الثقة الشعبية بالحكومة. وكانت هناك خلافات حادة بين الرئيس التونسي منصف المرزوقي ورئيس الوزراء التونسي في الحكومة المؤقتة حمادي الجبالي على تسليم البغدادي المحمودي، وإقالة حاكم المصرف المركزي مصطفى كامل النابلي، الذي حل مكانه الشاذلي العياري. ولقد تلطخت صورة بعض أعضاء الحكومة والمجلس التأسيسي من خلال الكشف عن أجورهم وثرواتهم وتكاليف عطلاتهم في البلدان الأوروبية.

وأكثر من ذلك، عزز تعامل الترويكا بأسلوب القبضة الحديدية مع وسائل الإعلام الصورة السلبية تجاه الحكومة، بانها تفعل كل ما في وسعها للإمساك بقطاع الإعلام.

وكانت الصرعات الداخلية في حركة النهضة التونسية بين المتشددين بقيادة راشد الغنوشي، والمعتدلين بقيادة حمادي جبالي قد قوضت مصداقية الحزب أيضا. وهذه الانقسامات لم تشعر التونسيين بالتفاؤل حيال المستقبل، الذي بدا غامضا، على الرغم من أن "الترويكا" المؤلفة من حركة النهضة وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية، وحزب التكتل التونسي، قدمت رؤيتها للمستقبل، أخيرا، بعد أن حثتها على ذلك المعارضة. وهذه الخطة تمت كتابتها على عجل، كنوع من نثر الدخان لتعطيل مبادرة الحوار التي اطلقها الاتحاد العام التونسي للشغل. هكذا، فيما يشعر الناس بالإحباط نتيجة لكثير من الفشل، فإن الرئاسات الثلاث فقط وداعميها، يشعرون برغبة في الاحتفاء بالذكرى السنوية الأولى للانتخابات.