صوت التونسيون قبل ما يزيد على العام، للمرة الأولى، بوصفهم مواطنين في دولة. وكانت هذه الانتخابات الأولى للربيع العربي. وقد تدفقت صور الناخبين وهم يبتسمون فخورين بما يقومون به على الإنترنت. ومن جهته، راقب العالم الانتخابات، وهو مفعم بالاستغراب والأمل، فيما وصف الإسلام السياسي المعتدل في العالم العربي بانه احتمال وارد.

محصول السنة

وبعد مرور ما يزيد على السنة على الانتخابات، ليس لدى التونسيين ديمقراطية، ولا ثقة بالمسؤولين المنتخبين، ولا دستور جديد، أما حقوق الإنسان وحقوق المرأة، فقد باتت مهددة. والاقتصاد يعاني من تراجع حاد.

أما السياحة فإيراداتها تتضاءل، فمن يريد أن يقضي عطلة بين مجموعات من المتشددين الذين يغيرون على السفارات، ويغرسون أعلامهم فوق الجامعات؟ وفي هذه الأثناء، فان حكومتنا ورئيسنا يراقب ما يجري من دون اعتقال هؤلاء المتشددين المتطرفين.

ولم يبق إلا شيء واحد فقط من الثورة، وهو حرية التعبير. ولهذا السبب يمتلئ موقع "فيسبوك" بإشارات الغضب، وبفيديوهات محملة على هواتف خليوية تصف هذا الجنون. فلماذا نتبادل القصص الفكاهية والرسوم الكاريكاتورية لطغاتنا؟ وإذا كان هناك من شيء يمكنه أن يخلصنا، فانه سيكون رفضنا السكوت مجددا.

وخلال تلك الانتخابات الأولى، فان المتشددين كانوا منظمين بشكل أفضل، ومدعومين من عدد من الدول. ولقد فازوا بأصوات العديد من الفقراء، من خلال تمويل حفلات الزفاف الجماعية والموائد خلال الأعياد. ولقد تطوع المتشددون أيضا بأعداد كبيرة في مراكز الاقتراع.

ولقد تمكنت حركة النهضة التونسية بالفوز بالسيطرة على البلاد، من خلال حصدها نسبة 41% فقط من أصوات الناخبين، وكان هذا ممكنا لأن الأحزاب التي صورت نفسها على أنها ديمقراطية خلال الحملة، شكلت ائتلافا مع الإسلاميين فيما بعد، بدلا من أن تشكل إئتلافاً مع أحزاب علمانية أخرى.

الكآبة والقلق

ويشعر التونسيون اليوم بالكآبة والقلق، وهم مرتاعون من المآسي اليومية. فقد اغتيل، أخيرا، ممثل لحزب علماني من قبل جماعة متطرفة. وامرأة تعرضت للاغتصاب الجماعي من قبل رجال الشرطة تمت محاكمتها لاحقا. ولقد هجم المتشددون على السفارة الأميركية واحرقوا مدرستها، تلك التي يرتادها التونسيون، فيما فشلت الحكومة في إرسال الشرطة ورجال الإطفاء والجنود.

ولقد وضع المتشددون أقاربهم ورفاقهم في مواقع نافذة، وحاولوا أن يدسوا بنداً داخل الدستور يفيد بأن النساء هم "مكملون للرجال"، الأمر الذي كان سيترتب عليه الارتداد عن 50 سنة من المساواة. وفي النهاية، نحن لم نصوت لمتشددين في سبيل تحريف دستورنا.

ويظهر فيلم الفيديو المسرب أخيرا لزعيم حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي، بوضوح أن المتشددين الذي كان يعمل على طمأنتهم، ليسوا مجرد داعمين له، وإنما هم يشكلون الميليشيا التابعة له، وهم عازمون على إرهاب المواطنين لحملهم على الطاعة الضمنية، وعلى تحويل الطابع العلماني لتونس .

ويشرح الغنوشي لهم في الفيديو أن التسلل إلى الوزارات سيستغرق وقتا، وأنه لا زال هناك الكثير من العلمانيين في الإدارات، وفي صفوف الشرطة والجيش. وقد قال لهم أيضاً إن بإمكانهم أن يؤدوا دورهم من خلال فتح المزيد من المدارس والمعسكرات. وهذا هو الرجل الذي هلل له الغرب على انه الزعيم المعتدل.

ولا يوجد أي شيء معتدل أو ديمقراطي حول هؤلاء المتلاعبين، الذين يلعبون لعبة الاعتدال والديمقراطية للفوز بالسلطة. الآن، وهم في السلطة، يستمرون في تأجيل الانتخابات إلى أن يغرسوا أنفسهم في النسيج الحكومي والقضائي من خلال القوة الغاشمة.

والسنة التي منحها لهم الناخبون قد انتهت.