ينطلق قطار أوسلو السريع قبل طلوع الفجر عبر غابات الصنوبر المتجمدة في النرويج، وتغطي الثلوج طرف زجاج النافذة للعربة رقم 3، حيث يجلس "مفتش المباحث" فيسك في اليوم الأخير لما اطلق عليه "عملية حلب". وهو يقرأ "مذكرات جندي مرتزق" للكاتب "رافاييل دو نوجاليس" في طبعة تعود لعام 1932 يسرد فيها الأعمال الجريئة لجنرال فنزويلي خلال الفترة الثورية لأميركا اللاتينية، وخدمته في الجيش العثماني خلال الحرب العالمية الأولى.

المصادفة الغريبة

وعلى نحو غريب، حيث أن الكتب في العادة تحوي تلميحات جغرافية غريبة عن أنفسنا، يلتقي الجنرال نوجاليس بشاب ألماني محكوم عليه بالموت، وذلك "في وقت ما من أغسطس 1915، عندما وصلت إلى مدينة حلب بعد ستة أشهر من القتال المتواصل ضد الروس والأرمن في القوقاز".

والغريب في الأمر هو أن "المفتش فيسك" يحقق بالأحداث التي حصلت في تلك المدينة نفسها، أي حلب، بعد ما يزيد عن 90 عاما، وذلك عندما أمر أحد جنرالات الجيش السوري جنوده على الجبهة الأمامية للمدينة، بأن يعرضوا الأسلحة التي تم التقاطها مع المعارضة المناوئة للرئيس السوري بشار الأسد في البلاد.

وبين القنابل والبنادق والمتفجرات، كانت هناك رزمة بلاستيكية تحوي ثلاثة ملصقات باللون الزهري لما بدا أنه يشبه "الجليجانيت"، وهو نوع من الديناميت، وقد كتب على كل منها "هامرغرنز، 434-24 كونغزباخا، السويد".

وكونغزباخا هي بلدة صغيرة تقع جنوب مدينة غوثنبرغ السويدية حيث يرعد القطار المسائي الذي استقله الأن، ولا بد من أن القارئ قد أدرك لماذا مراسل صحيفة "إندبندنت" في الشرق الأوسط هو الآن على بعد أكثر من ألفي ميل بعيداً من موقعه في الشرق، لكن كما يوجد مع كل تحقيق، هناك دوما تطورات. وكما تجد مع الأفلام البوليسية دوماً، فإن الأمور ليست تماما كما تبدو عليه. لذا، عندما وصلت سيارة الأجرة التي أستقلها إلى أطراف غابة متجمدة في كونغزباخا، لاحظت بشيء من الإثارة بوابة أمنية مصنوعة من الصلب كتب عليها "هامرغرنس بيروتكنيك".

شعلات تحذيرية

ويفترض أن أضيف إن "هامرغرنس"، تبيع ألعابا نارية للأطفال. ومديرها العام، ثوماس وترستورم، الذي يبلغ من العمر 60 عاما، مضى على وجوده 30 عاما في الشركة، التي أسسها في عام 1879. نظر إلى صورة هذا المنتج التي التقطت في حلب البعيدة جدا عن السويد، بنوع من اللهو الساخر وقال: "تلك شعلات تحذيرية، ولا أستطيع أن أرى فعلا ما يمكن أن يفعل بها السوريون. نحن نبيعها للشرطة السويدية في سبيل تخفيف الازدحام المروري بفعل الحوادث".

ويستورد ثوماس وترستورم الشعلات التحذيرية من شركة أميركية تدعى "أوريون سيفتي" في مين، ولهذا كانت الطبعة "صنع في أميركا" مطبوعة على الحزمة الموجودة في حلب، ومن ثم لا تباع فقط إلى الشرطة السويدية، وإنما أيضا إلى سيارات الإسعاف التي تصل إلى السيارات التي تتعرض لحوادث الطرق خلال الليل في سهول إسكندنافيا الجرداء. وتصدر هامرغرنس الشعلات التحذيرية أيضا إلى الشرطة الهنغارية. وتماما كما مصابيح السلامة المضاءة في بريطانيا، فإنها تحد من سرعة سائقي السيارات باتجاه الشرطة والمسعفين على الطرقات العامة.

سألني مسؤول المتفجرات في "هامرغرنس"، دون كانتوف، وهو رجل نحيف القامة شديد العناية بالتفاصيل، كحال كل خبراء المتفجرات، عما إذا كنت أود أن أرى عرضا لهذه المتفجرات؟ فسرنا فوق الطبقة الجليدية في الخارج بخطى ساكنة، ثم ضرب كانتوف على الغطاء فانفجرت شعلة زهرية اللون بصورة مذهلة، وكانت شديدة الإضاءة بحيث أنني لم أتمكن من التحديق بها لأكثر من لحظة. قال كانتوف: "إن الشعلة تدوم لفترة 20 دقيقة، ولا يمكن إطفاؤها بالمطر".

إشعال الحرائق

وهذا بلا شك يعتبر عملا حاذقا على طرق السويد المغطاة بالثلوج، لكن انتابتني الشكوك أن بإمكان هذه الشعلة أيضا أن تشعل المباني الخشبية القديمة لحلب على الجبهة الأمامية.

ويعتقد كانتوف أن الشركة باعت 100 الف من تلك الشعلات على مدى ال 12 سنة الماضية. والشعلة عبارة عن مزيج من "ستروتينيوم كاربونايت ومادة الكبريت" الذي يحترق حتى الرماد، وقنبلة مصنوعة يدويا في سوريا تحتاج إلى "بوتاسيوم نيترايت وزيت"، على الرغم من أن الجميع في هامرغرنس متفقون على أن أي كيماويات، إذا ما وضعت داخل أنبوب من الفولاذ تعتبر خطيرة.

وعلى ما يبدو فإنه في عام 1999، كانت هامرغرنس تبيع الشعلات إلى شرطة ستوكهولم التي كانت توردها إلى جانب البطانيات والضمادات إلى مصنعي المركبتين السويديتين، سكانيا وفولفو.

وتذكرت في تلك اللحظة المحاضرة التي ألقاها الدبلوماسي السويدي منذ أربع سنوات، متفاخرا بان فولفو كانت اكبر مصدّر للشاحنات إلى سوريا! في فترة ما قبل الحرب الأهلية بالطبع، ولم يكن هناك مانع من بيع هذه الشاحنات إلى سوريا مع وجود شعلات الشركة في داخلها.

وكل ما يباع بشكل مباشر هو من أجل السلامة. لكن السويد لم تعش حربا منذ عام 1814.

ألا يفترض بنا نحن الأوروبيون أن نكون اكثر حذرا لما نرسله إلى أجزاء اقل استقرارا في العالم؟ شعلات تحذيرية أقل ومصابيح بريطانية قديمة عاملة على البطارية أكثر.

وفيما أنا في طريقي للعودة إلى منزلي على هذا القطار المحموم، أعود مجددا إلى كتابي "مذكرات جندي مرتزق" للجنرال دو نوجاليس، حيث تنذر مقدمة الكتاب "جالسا على الرمال على حصان عربي، هذا الرجل المرتزقة الداكن البشرة من جبال الأنديز يبدو مثل فارس شهم من"هكذا كانت أيامنا الخوالي".

حقيقة الشعلات

 

يدرس مسؤول المتفجرات في شركة "هامارغرنس"، دون كانتوف، صورة الرزمة في حلب، ويلاحظ الحزمة البلاستيكية، فيهز رأسه قائلا: "لقد توقفنا عن استخدام هذه الحزم البلاستيكية من الشعلات منذ سنوات طويلة، حتى قبل أن نبيعها إلى المجر". ويعرض صندوق الكرتون المربع الجديد للشركة. ويبدو أنه في عام 1999، التاريخ المطبوع على شعلات حلب التحذيرية، كانت هامرغرنس تبيع تلك الشعلات إلى شرطة ستوكهولم التي كانت توردها إلى جانب البطانيات والضمادات الطارئة إلى كبير مصنعي المركبتين السويديتين، سكانيا وفولفو.