تدعي مؤسسة "ستراتفور غلوبال انتليجنس" في إطار تفسيرها لتصاعد العنف في غزة، أنه يجب النظر إلى 23 أكتوبر الماضي، عندما قامت إسرائيل بغارة جوية تحت غطاء من السرية ضد مصنع اليرموك للسلاح بالخرطوم، عاصمة السودان، ودمرت الصواريخ المفترض أنها متجهة إلى قطاع غزة.

فقامت مصر بتصعيد جهودها في الوساطة على هدنة في 25 أكتوبر الماضي، التي قاطعتها فصائل مسلحة صغيرة مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجهاد الإسلامي. وبغض النظر عما إذا كانت حماس تريد كبح جماح تلك الهجمات، فإنها قد وجدت نفسها في الموقع ذاته كما فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية، عندما كانت تفاوض مع إسرائيل، فيما كانت حماس تطلق الهجمات الصاروخية بوصفها معارضة.

تبادل المواقع

ويقول محللون كبار مثل حسين أغا وروبرت مالي، إن: "الجهاد الإسلامي في فلسطين أصبحت حركة حماس الجديدة، وهي تطلق الصواريخ لإحراج حكام غزة، أما حماس، فقد تحولت إلى حركة فتح الجديدة وهي تدعي بأنها حركة مقاومة، فيما هي تضيق الخناق على كل من يجرؤ على المقاومة".

وهذا تبسيط للوضع، لكنه مع ذلك ينقل وجهة النظر القائلة: من السهل دوماً الوجود في المعارضة.

ثم حاولت حماس اجتذاب المجموعات المسلحة الأصغر حجماً إلى وقف لإطلاق النار، لكن إسرائيل بات لديها عذر لملاحقة نائب القائد العام لكتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، أحمد الجعبري. واغتياله في 14 نوفمبر الماضي شكل تذكيراً بالقتل المستهدف لوزير الداخلية في أول حكومة لحركة حماس، سعيد صيام في 15 يناير 2009، والمؤسس المشارك لحركة حماس عبد العزيز الرنتيسي في 17 أبريل 2004، والزعيم الروحي لحماس الشيخ أحمد ياسين في 27 مارس 2004، وغيرهم.

وبعد فترة وجيزة من قتل الجعبري، توجه سلاح الجو الإسرائيلي لاستهداف منازل عائلة المشهراوي، وصلاح جلال عرفات في حي الزيتون في شرق غزة، حيث قتل طفل له من العمر 11 شهرا، وولد في الخامسة من العمر وامرأة، وفي سبيل ماذا؟ وقامت إسرائيل بعد ذلك بإطلاق النار على مواقع للتدريب وعلى تحركات لمقاتلين في مختلف أنحاء قطاع غزة، وقد تلا ذلك سقوط المزيد من القتلى وإطلاق المزيد من الصواريخ.

استعداد أكبر

ولا تعتبر أي من هذه الهجمات أخباراً جديدة بالنسبة لأحد. وهذا السيناريو جرى التدرب عليه عدة مرات، وإسرائيل كانت تنتظر المناسبة لإعادة الاشتباك في غزة، وهي تعرف بالتحديد من كانت تريد قتله، أما الإصابات الأخرى، فقد كانت جانبية. وهذه جولة إحماء لإسرائيل، مجرد تمرين على الهدف.

وحماس وليدة المقاومة المسلحة ضد إسرائيل تستعد لتوغل جديد من قبل إسرائيل، وستكون على أهبة الاستعداد، وفي كل مرة تغزو إسرائيل، تكون حماس أكثر استعداداً بدرجة أكبر.

والبرهان على ذلك يتمثل في أعداد الصواريخ المطلقة من غزة ونوعيتها. وكانت هذه الصواريخ فيما مضى محلية الصنع خطرة ومتفرقة مثل الألعاب النارية على امتداد الحدود في جنوب إسرائيل، أما الآن فإن صواريخ "فجر"، وصلت إلى المراكز التجارية في تل أبيب، وللمرة الأولى منذ عام 1970 سقطت في القدس المحتلة. وهذه الصواريخ تدعى أيضا "إم 75" نسبة إلى المسافة التي تقطعها بالكيلومترات.

ومن المفترض أن صاروخي "فجر 3" و"فجر 5" موجودان أيضاً في جنوب لبنان بحوزة حزب الله، الذي بإمكانه أيضا الاشتباك على الجبهة الشمالية لإسرائيل مع إمكانية إطلاق بعض من صواريخ "فجر" على حيفا، كما فعل خلال حرب يوليو 2006. وتريد إسرائيل الانتقام لعدم فوزها في الحرب، وحزب الله مثل حماس كان يستعد منذ تلك الأيام لمواجهة جديدة.

الهدف من الحرب

وبعد معرفة أن حماس وحزب الله ومجموعات مقاتلة أصغر حجماً يمكنها بالكاد سن آلتها العسكرية، فإن إسرائيل بإمكانها استخدام تصعيد العنف في غزة لحرف المبادرات الدبلوماسية الآتية من القيادة الأكثر مسالمة للرئيس الفلسطيني، محمود عباس، في رام الله، والتي تحاول كسب الاعتراف الدولي بفلسطين في الأمم المتحدة.

ومرة أخرى، كل هذا تم التدريب عليه من قبل إسرائيل، باعتباره الجواب السهل للحفاظ على جيشها في وضع من التأهب الدائم، وعلى صقل أسلحتها وعلى تحريك أسلحتها وانتقالها في كل أنحاء المنطقة، للتخلص من بعض الصواريخ، وغيرها. لكن الأمر المستجد هنا هو أن المعادلة الإقليمية قد تبدلت، حيث إنه لم يسبق أن زار عدد كبير من قادة الدول غزة في مثل هذه الفترة القصيرة. فبعد زيارة أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أخيرا، فإن كلاً من رئيس وزراء مصر هشام قنديل، ووزير خارجية تونس رفيق عبدالسلام، زارا غزة، والثلاثة يمثلون توجهاً مؤيداً للتضامن مع الفلسطينيين.

ولا تصنع إسرائيل أصدقاء جدداً في المنطقة، ولا يبدو أنها ترغب في ذلك، ويبدو أنها غافلة بشكل متعمد عن "الفجر" الجديد الصاعد على امتداد العالم العربي، لأنه يلائم أجندتها تماماً.

 

 

دهاء إسرائيلي

 

 

 

إن كل من كان يراقب تسلسل أحداث الموت والدمار الرهيبة التي تكشفت معالمها مرة أخرى بين الإسرائيليين والفلسطينيين، في هذا الهجوم الأخير على غزة، سيشعر بالاشمئزاز والثوران والوجوم والذهول للحماقة الخالصة وللخسائر غير الضرورية. وكل هذا هو جزء من دهاء إسرائيل المتمثل في الحفاظ على وجود تهديد مستمر لأمنها، في سبيل إدامة خدعة الخطر على وجودها.