كان من قدر ديفيد بترايوس أن يصبح جنرالاً في الجيش، فهو منافس شرس وقادر على تبوؤ أعلى المناصب. وهو يمزج عزيمة لا تعرف الكلل بكياسة لا تفتر. وفي الأكاديمية العسكرية الأميركية في "وست بوينت"، خطب ود ابنة المشرف وتزوجها. وحاز على الجوائز الثلاث الأهم في مدرسة "راينجر" للمشاة المعروفة بالقسوة. وحصل على درجة دكتوراه من جامعة برنستون. وخلال توليه مناصب قيادية، أصدر توجيهات واضحة بشأن المهمة إلى الذين يترأسهم، ونسج علاقات جيدة مع الصحافة والمثقفين، حيث رد على رسائلهم الإلكترونية فورا، بملاحظات موجزة. وهو يؤمن "بالأفكار الكبيرة"، وكان مثاليا مصمماً على النجاح. وأدى مهمته في كل قيادة أو منصب تولاه بامتياز.

جنرال بارز

ولو كان جنرالا في أوقات السلم، لما كانت له هذه الشهرة، لكي يعين رئيساً لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، أو لما جذب انتباه العالم عند استقالته في أعقاب علاقة خارج إطار الزوجية. وأميركا تحكم على جنرالاتها بناء على أدائهم في الحرب: جورج واشنطن في الحرب الثورية، يوليوس إس. غرانت وروبرت إي. لي في الحرب الأهلية، دوايت أيزنهاور وجورج مارشال في الحرب العالمية الثانية، كريتون ابرامز في فيتنام، والكولونيل باول في حرب الخليج عام 1991 وغيرهم. وينضم الجنرال بترايوس إلى صفوفهم باعتباره قائدا بارزا بسبب أدائه في حرب العراق.

في عام 2003، شكلت الإطاحة بنظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين عملا سهلا، لكن تلت ذلك أربع سنوات من دك المسلحين. وبحلول أوائل عام 2007، كانت أميركا المنهكة تراقب العراق وهو يتفسخ إلى حرب أهلية. والجنرال بترايوس، الذي كانت على صدره ثلاث نجوم آنذاك، فضلا عن جولتين سابقتين في العراق، كتب كتيبا ميدانيا حول مكافحة "التمرد"، قائلا إن مقاتلي أميركا يجب أن يكونوا بناة للأمم، وركز بالتحديد على حماية الشعب بدلا من قتل العدو.

ووسط رفض تحفظات هيئة الأركان المشتركة، حض بجرأة الرئيس الأميركي جورج بوش، على إضافة ستة ألوية أميركية في ساحة القتال. فوافق بوش وعين بترايوس قائدا.

وكان المد في العراق يتغير عند وصوله. في محافظة الأنبار، كانت قوات مشاة البحرية الأميركية "المارينز" تدك مواقع المسلحين السنة على مدى سنوات ثلاث، فيما كان متشددو القاعدة يخضعون القبائل السنية. وشيوخ القبائل الذين شعروا بأنهم بين المطرقة والسندان، انتفضوا ضد القاعدة وتحالفوا مع المارينز.

فقام بترايوس، مغتنما الفرصة، بإيقاف شركات أميركية إلى جانب مراقبين من الأحياء في عشرات المحافظات السنية، طاردا المتشددين السنة ومانعا الميلشيات الشيعية من الإغارة.

وأعطيت كل كتيبة أميركية أربع مهام: الأمن، وتمويل المشاريع، والمساعدة في إدارة الحكم، وفرض حكم القانون. والأمن تطلب قوات مسلحة، أما المهام الأخرى فكانت ضمن مهمة بناء الأمم. وفي خلال سنتين، استقر العراق عسكريا، وأصبح بتراويس أول جنرال أميركي بطلا في القرن الواحد والعشرين.

تعثر الاستراتيجية

في عام 2010، تولي بترايوس القيادة في أفغانستان، وبعد سنة أصبح مدير الاستخبارات المركزية الأميركية. وجهوده في أفغانستان لم يكن لها تأثير دائم، حيث تعثرت استراتيجيته لبناء الأمم، وهذه لم تكن غلطته. فباكستان آوت كلاً من القاعدة وطالبان. وداخل أفغانستان، رفضت قبائل الباشتون، التي تشكل القلب النابض لحركة طالبان، دعم حكومة مركزية فاسدة. ومن خلال اختيار الرئيس الأفغاني، حامد قرضاي لقيادة البلاد منذ عقد من الزمن، اتخذت أميركا الخيار الخطأ. فلا يوجد أجنبي، بمعزل عن مكانته، يمكنه أن يعوض عن القيادة الداخلية الضعيفة.

وقد لا يدوم مفهوم بترايوس حول بناء الأمم كجزء من المهمة العسكرية. فالمؤسسة العسكرية الأميركية يمكنها أن تدرب القوات المسلحة للغير في أفغانستان (إذا كانوا على استعداد لذلك)، ويمكنها أن تترك وراءها كادرا لتدمير الملاجئ الإرهابية الناشئة، لكن جنودها لا يعرفون كيف يبنون "مينيابوليس" و"ممفيس"، فكيف بدولة مسلمة؟

بالتالي ما هو الأمر الذي أنجزه بترايوس ليستحق دخوله إلى كنف الأبطال العسكريين؟ الجواب على ذلك واضح: لقد انقذ أميركا من عار مرعب وهو التفتيت الدموي للعراق. ولقد أخذ مخاطرة كبيرة وبرهن على صحتها، وذلك في اعتقاده أن السنة، بحماية أميركا، سوف يتحولون ضد المتشددين في وسطهم. وبفضل اعتقاده الراسخ في رؤيته الاستراتيجية، فاز بهذا الأمر في حرب العراق.

لكن، إدارة أوباما في النهاية خسرت الحرب الجيوسياسية في عام 2011 من خلال انسحاب القوات الأميركية. وهذا ترك العراق ممزقا بالعنف تحت سيطرة رئيس وزراء طائفي. وإدارة أوباما سحبت الهزيمة السياسية من براثن الفوز العسكري الذي حققه بترايوس.

الخيار الصعب

وعائلة بترايوس خدمت أميركا بدون أنانية، سنة بعد أخرى. فقد أمضى الجنرال بتراويوس معظم السنوات العشر الأخيرة في الميدان. وتسافر زوجته باستمرار إلى القواعد الأميركية، وتعلم الجنود وزوجاتهم كيف يهتمون بالأمور المالية. وابنه رفض وظائف مغرية، واختار أن يخدم في الجيش، مثل والده، مقاتلاً في الميدان.

وبالابتعاد عن هذه التفاصيل قليلا، لننظر كيف أن الشخصيات العامة، بما في ذلك الرؤساء السابقون كانوا يلجأون إلى "الدوران" في سبيل البقاء في السلطة، عندما يجري الكشف عن أخطائهم الإنسانية.

وشرعيته ثنائية الوجه. كجنرال فاز بحرب، وكرجل تحمل مسؤولياته.

مناورة فاشلة

كان بإمكان بترايوس أن يلجأ إلى المناورة في سبيل البقاء في السلطة، فالرئيس الأميركي باراك أوباما وأعضاء في مجلس الشيوخ اقترحا هذا الأمر. والبلاد تحتاج إلى رجل بمهارات كمهاراته تم التثبت منها، ولاعبو السلطة يبقون في اللعبة. وفي ظل مناوراته، كان بإمكانه البقاء.

لكن بترايوس رفض أن يبقى. ورفض إخفاء السبب الذي يدعوه إلى أن يترك موقعه. وفي حقبة حيث السلطة والشهرة تحددان النجاح، لا يشكل فارقا بالنسبة له إن كان جنرالا بدلا من عريف في الجيش. فلقد تخلى عن معاييره.